
( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي..
انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي اليوم شريط مصوّر يظهر فيه الدكتور كامل الطيب إدريس، رئيس مجلس الوزراء، وهو يهلّل ويكبّر ويردد هتاف: «جيش واحد.. شعب واحد»، وحوله عدد من المسؤولين، أحدهم يحمل قضيباً حديدياً ويدخله في حفرة عميقة، في محاولة لتحديد كمية الوقود المخزّن في جوفها، ويبدو أنها في أحد مستودعات الوقود بالعاصمة الخرطوم.
ومن ثم ينطلق صوت رئيس الوزراء وهو يخاطب المواطنين نافياً وجود أي أزمة في الوقود!
وطبعاً، فإن الذين انتقدوا ظهور الرجل في تلك المهمة، كانت حجتهم أن ذلك لا يليق بمقام رئيس الوزراء، الذي يفترض أن ينصرف إلى مهام أكبر في معالجة الأزمة، وليس إلى موقع يمكن أن يقوم بمثل هذه المهمة فيه عامل المحطة أو المختص بها.
فرئيس الوزراء ــ وهذا من عندي ــ مهمته أن يضع السياسات التي تمنع أسباب الأزمة، من خلال مجلسه، وعبر تكليف الوزراء المعنيين، كلٌّ في مجال اختصاصه.
وكان يمكن له، مثلاً، أن يذهب لمتابعة إصلاح مصفاة الجيلي التي دمّرتها عبثية الحرب، أو أن يوضح للرأي العام نصيب حكومته من القسمة الثلاثية لإنتاج النفط في حقول هجليج، التي أصبحت تحت سيطرة دولة جنوب السودان وقوات الدعم السريع، بينما ظل نصيب الحكومة في الخرطوم غير معلوم التفاصيل للرأي العام.
وكان من الممكن أيضاً أن يتوجه رئيس الوزراء، بكامل حكومته، لمتابعة وصول بواخر النفط إلى مراسي الميناء، أو حتى أن يسافر بنفسه مع الوزراء المختصين إلى الدول التي يمكن أن تقدم الدعم النفطي مباشرة، أو تمويل شراء الاحتياجات النفطية من دول أخرى.
أما أن يتحول رئيس الوزراء إلى من يقوم بقياس مخزون الوقود بقضيب حديدي داخل حفرة، ثم يقدم ذلك للرأي العام باعتباره دليلاً على عدم وجود أزمة، فهنا يحق لنا أن نتساءل: هل تُعالج أزمات الدولة بمثل هذه المشاهد، أم بسياسات واضحة وقرارات مسؤولة؟
فالدكتور كامل، ومنذ توليه المنصب، ظل يقود حكومته ــ بحسب ما تكشفه الوقائع اليومية وما يثار حول أدائها ــ من أزمة إلى أخرى، والشواهد على ذلك كثيرة.
بل إن هذه ليست مجرد ملاحظة من معارضين لسلطة الأمر الواقع؛ فقد صدرت انتقادات حتى من بعض الذين يقفون بأقلامهم سنداً لها، ووصل الأمر إلى المطالبة بإقالة الرجل وحكومته التي سُمّيت «حكومة الأمل».
كما أن رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش نفسه سبق أن تحدث علناً عن قصور الحكومة في تحقيق احتياجات المواطن الضرورية والخدمية في أبسط مستوياتها.
فهل آن الأوان لأن يترجّل الرجل عن سدة الحكومة، قبل أن تدفعه الأزمات المتكاملة إلى سقوطٍ مدوٍّ، بدلاً من أن تنتظر الحكومة حتى يصبح عجزها عن مواجهة الأزمات أكبر من قدرتها على نفي وجودها؟
والله من وراء القصد .



