


د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال
ما أشبه الليلة بالبارحة.. عقب الانتفاضة، كان الخلاف الأساسي بين الاتحاديين والميرغني حول مشاركة الأخير لنظام مايو، وتعيين المايويين على رأس الحزب ومفاصله، وأصبح الاتحادي حزبًا مايويًا كامل الدسم، مما أغضب قياداته التي قادت النضال ضد نظام مايو وواجهت بطشه، ودفعت حياتها ثمنًا لذلك، وذهب الشريف حسين الهندي، وقبله الزعيم الأزهري، إلى ربهما وهما كالصحن الصيني لا شق ولا طق.. وبقي الميرغني يساند ويدعم ويهادن مايو، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، عندما دفع بسدنة مايو إلى مقدمة الصفوف، فتصدى له الاتحاديون بقوة وعزم..
وأعلن في 15 أبريل، وفي أول ندوة بجامعة الخرطوم، أعلن الراحل علي أبو سن نهاية التحالف بين الاتحاديين والختمية، والذي كان حسب وصفه تحالفًا انتهازيًا كارثيًا في 1967.. وأعلن علي أبو سن العودة إلى الجذور والبعث من جديد لحزب الحركة الوطنية.. الحزب الوطني الاتحادي… وأغضب هذا الأمر الكثيرين، وللطرافة أنهم سرعان ما انضموا للوطني الاتحادي… وحينها أيضًا كان ميلاد «القيادة السياسية» للحزب الاتحادي في بيت عمي المغفور له بإذن الله.. المناضل عبداللطيف الخليفة.. وجاء إلى صالونه في الملازمين بأم درمان كافة القيادات الاتحادية التي ناضلت ضد نظام مايو الديكتاتوري.. ورغم أن الشريف زين العابدين كان في البداية مناصرًا للقيادة السياسية التي ضمت حاج مضوي محمد أحمد وعلي محمود حسنين، وعقد فريد من عظماء الاتحاديين، وهما قيادات الداخل التي قادت النضال ضد مايو، ولكن الشريف زين العابدين كان موقفه هينًا لينًا متأرجحًا وغير حازم في مواجهة الميرغني، رغم أن الشريف لم يكن في مقدمة صفوف القيادات التي ناضلت ضد مايو، ولم يلبث الشريف كثيرًا حتى انضم إلى ركب الطائفية وحيران الميرغني، ووصفه بأنه: «ديمقراطي حتى في صلاته!!» وحتى هذه اللحظة لم أفهم معنى الديمقراطية في الصلاة!!.
والطريف أن التاريخ تكرر، ووصلت العداوة والكراهية ذروتها بين الميرغني والشريف زين العابدين، والذي من غيظه وحرده من الميرغني، تقرب من البشير، حتى كاد أن يصبح نائبًا لرئيس المؤتمر الوطني، ومدح البشير في كل فرصة: «يربطنا حبل ولا يقطعنا سيف».. والاتحاديون لهم قصص «عشق وغرام» مع الزعماء والرموز، ويغمضون أعينهم عنوة عن رؤية مساوئهم، وخصوصًا إن ذهبوا إلى دار الفناء!!
والطريف أن الميرغني، وكأنه يردد: «من ترك عادته، قلت سعادته!!».. سرعان ما ارتمى تحت أحضان «الإنقاذيين» عبر سمسرة سياسية قادها كبير خلفائه عبدالمجيد عبدالرحيم وآخرين، انتهت إلى المشاركة في الحكم حتى لفظ أنفاسه، ورجل الميرغني المقرب وسادنه حاتم السر يقف مؤيدًا وداعمًا للبشير ومناهضًا لثورة الشعب!!..
كما أسلفت، فإن الحزب الاتحادي انقسم إلى اثنين.. طائفية يقودها الميرغني، وسياسية يقودها حاج مضوي وعلي محمود حسنين وكافة القيادات التي ناهضت مايو. وتأرجح الشريف زين العابدين بدايةً مع القيادة السياسية، ونهايةً مع الطائفية التي جمعت كافة «قاذورات» مايو إلى صفوفها وصعدت بهم للوزارة.. وكأنها تمد لسانها إلى الشعب وانتفاضته!!
والجزء الثالث كان الوطني الاتحادي الذي أعلنه علي أبو سن، وقمت فورًا بمساندته وتأييده، ومعي عقد فريد من شباب الحزب في ذلك الوقت.. لأن شعارنا هو ضد السدنة، ورفضنا تمامًا لكل من شارك مايو.. رفضًا قاطعًا واضحًا شديدًا قويًا، لا مهادنة أو مساومة فيه..
وكانت سعادتنا بالغة حينما انضمت «القيادة السياسية» للاتحادي للحزب الوطني الاتحادي، واختارت المناضل الشرس علي محمود حسنين رئيسًا للحزب الوطني الاتحادي.. الذي انضم وقتها إلى صفوفه نخبة من العلماء والمفكرين، ومنهم الأديب الأريب الراحل المقيم د. محمد عبد الحي (زوج عضو السيادي عائشة السعيد)، ولا زلت أحتفظ بالخطاب الذي أرسله طالبًا قبول عضويته في الحزب..
وشهد الحزب الوطني الاتحادي سيلًا من طلبات العضوية.. لكل الرافضين للطائفية وتطرف اليمين واليسار… وقد كانت فرحتنا عظيمة بذلك.. وكانت مشكلتنا الأساسية في «التمويل»!!..
أرجع للموضوع، وقلمي عنيد وعلى كيفه، ولا يطاوعني في الالتزام بالعنوان..
أرجع لرحلة القضارف، ووقتها قدم لنا زعيم الحزب بالقضارف، عمر كرار كشة، رحمة الله عليه ورضوانه، دعوة لزيارة القضارف..
وتحرك بصنا إلى القضارف، وفي مقدمته حاج مضوي وعلي أبو سن وعلي محمود حسنين.. داخل البص وليس في سيارات خاصة!
وكعادتي، أحرص دومًا على الجلوس بقرب صديقي «الأثير» وأستاذي الراقي علي أبو سن.. ويربط بيننا الصراحة والوضوح والكثير المثير الذي سوف أسجله للتاريخ.. ولا أبالغ إن قلت إن علي محمود حسنين هو أبي وأستاذي، وحاج مضوي هو أبي الحنون العطوف الذي تعلمت من صحبته الكثير..
كانت تلك أول مرة أزور القضارف، وتوقف البص في الطريق، في الكاملين، وتحديدًا في كفتيريا «حافظ»، والذي أكرمنا ملحًا وملاحًا وضحكًا… ورافقنا للقضارف..
قبل وصولنا للقضارف بأكثر من ساعة، وجدنا الناس خرجت لاستقبالنا وتهتف: «أحرار أحرار، مبادئ الأزهري لن تنهار»..
ويتوقف البص ويخرج لها قيادات الحزب ويبادلونها حبًا وتحيةً وودًا وجمالًا..
بصراحة، لم أتوقع هذا الكم الكبير في استقبالنا خارج المدينة، راجلين وراكبين.. نساءً ورجالًا.. شيبةً وشبابًا وأطفالًا..
كان استقبالًا خرافيًا جعلت عيوننا تدمع، وقلوبنا تنبض حبًا للوطن والجمال والوفاء.. واقشعرت الأبدان..
ووصلنا إلى منزل المناضل عمر كرار كشة، ووجدناه في مقدمة المستقبلين، ومن خلفه أركان حربه، على يمينه طبيب أخصائي أعتقد أن اسمه أحمد عبدالرحمن الإمام أو نحو ذلك، وعلى يساره شاب أبيض البشرة والقلب، أعتقد أنه من الأقباط إن لم تخنّي الذاكرة.. وكان عشاءً دسمًا وبوفيه، أقسم بالله أني لم أرَ مثله في جميع فنادق العالم 5 ستارز التي نزلت بها، وكانت وجبة أمراء وملوك، جمعت أكلًا وشرابًا إفرنجيًا وبلديًا، له مذاق لم يفارقني طيلة تلك السنوات!!.
وشاءت الصدف أن يكون من ضمن الذين شاركونا الغرفة حافظ الكاملين، والذي أضحكنا حتى الفجر وهو يحكي لنا حكاياته مع حاج مضوي وحسن الترابي، وثلاثتهم جمعتهم الانتخابات.. قال لنا إن حاج مضوي كان يخبط على بابه قبل الفجر وفي عز الشتاء.. وعندما يفتح له الباب يجده ملتحفًا بشال وعباية، ولا تكاد تظهر إلا عيناه.. زي «البعاتي».. وأقول له: خير يا حاج، في شنو؟.. فيرد عليه: النايمة ليها لي هسه شنو يا حلبي.. إنت ناسي الانتخابات، يلا قوم البس، أنا منتظرك!
وحافظ رجل مرح خفيف الظل.. من يومها لم ألتقه.. حيّاه الغمام.
واستيقظنا على يوم عمل طويل.. وكرم أصيل من المرحوم عمر كشة، طيب الله ثراه..
عندما جاء دوري وتحدثت عن الشباب (يومها كنت منهم!).. صعد للمنصة العم عمر كرار كشة واحتضنني وبكى.. وهو رجل حنون ووطني من طراز فريد..
بعد نهاية اللقاء أصر المضيف، كشة، أن أجلس إلى جانبه، فقلت له إنني أول مرة في حياتي أزور القضارف، وإن خالي عوض الصائغ متزوج من القضارف، قال لي: هل خالك عوض الصائغ (عوض إبراهيم/عوض أدهم)؟ فقلت: نعم.. قال لي إنه ليس فقط عدَيلي، بل هو من أعز أصحابي وأقربهم إلى قلبي، وطلعت قريبنا كمان… وضحكنا.
وثاني يوم غادرنا القضارف.. ونحن في الطريق، مبتعدين نحو ما يقارب ساعة، كلنا في بص واحد، لاحظنا أن سيارة كشة تطاردنا وتشير لنا بالتوقف.. توقفنا.
وكانت المفاجأة أن عمر كرار كشة كان في صحبته خالي الحبيب عوض الصائغ، وهو من أحب خلق الله إلى نفسي.. واحتضنني بصدر أحب دومًا أن «أشم» رائحته.. وكان يناديني بـ«الأمير فخرالدين».. وكانت سعادته بالغة بإشادة كشة وأهل القضارف بنا.. فرحت وزغرد قلبي.. وأنا أحس بحب وجمال كل الدنيا وسط تلك الكوكبة من الأحباب.. فأنا أحبهم جميعًا، ولهم جميعًا في نفسي مكانة إلى أن ألقاهم..
أحبك أبي وأستاذي علي محمود حسنين.. أحبك شقيقي الأثير علي أبو سن.. أحبك أبي ومعلمي حاج مضوي، وأسأل الله أن يرحمكم وينزلكم مراتع الجنان، ولن ينسى الوطن أبدًا عطاءكم ووفاءكم..
وقبل الختام، لمحت من على البعد ابتسامة لرجل أحبه، وكان من قيادات الوطني الاتحادي.. النوبي الجميل بروفيسور علي عثمان محمد صالح، متعك الله بالصحة والعافية، وقد كنت فاكهة الوطني الاتحادي بلسانك النوبي ومفرداتك «الليمونية»!!
ولنا عودة إن كان في العمر بقية.
د. فخرالدين عوض حسن
#من الارشيف
#بقلم_فخرالدين_عوض_حسن_عبدالعال
#fakhreldeen



