
( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي..
من طبيعة العلاقات بين الدول والحكومات أنها تقوم على المصالح المتبادلة، وهذا أمر لا غضاضة فيه، بل هو من صميم السياسة الدولية.
لكن المعضلة تبدأ حين تمارس الحكومة شيئاً في العلن، ونقيضه في الخفاء؛ فتشحن جماهيرها بخطاب غاضب وعدائي تجاه دولة بعينها، وتصورها باعتبارها خصماً أو عدواً، بينما تظل هي نفسها تسير معها في علاقات ومصالح واتصالات تحكمها حسابات أخرى.
وهنا لا تعود المسألة مجرد اختلاف في تقدير المصالح، وإنما تصبح ازدواجية في المواقف واستثماراً للمشاعر الشعبية، حين يُقال للجماهير ما يرفع منسوب غضبها، بينما يجري في الواقع التعامل بمنطق مختلف تماماً.
فالمواطن الذي يبني موقفه على خطاب حكومته قد يكتشف، من خلال الوقائع والمشاهد التي تظهر على أرض الواقع، أن ما قيل له في المنابر لا يطابق بالضرورة ما يجري في دهاليز السياسة والعلاقات بين الدول.
وفي الحالة السودانية الراهنة، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً حين يُقدَّم للرأي العام خطاب يصور علاقات السودان ببعض الدول باعتبارها في حالة قطيعة أو مواجهة، بينما تكشف بعض الوقائع والمشاهد المتداولة عن مسارات أخرى لا تتطابق مع ذلك الخطاب.
وليس عيباً أن تبحث الدولة عن مصالحها، ولا أن تقيم علاقاتها الخارجية وفق حساباتها السياسية والاقتصادية؛ فهذا هو منطق العلاقات الدولية.
لكن العيب أن تتحول مشاعر الجماهير إلى وقود لخطاب تعبوي وعدائي، بينما تسير الممارسة الرسمية في اتجاه آخر.
فمثل هذا التناقض لا يسيء إلى الخطاب الحكومي وحده، وإنما يهز ثقة المواطن فيما يسمعه من حكومته، ويجعله أكثر شكاً في حقيقة المواقف المعلنة.
فالمصالح السياسية حق مشروع للحكومات، أما خداع الجماهير باسمها فليس من السياسة في شيء.
والله من وراء القصد.



