الأعمدة

قبل البشير بثلاث سنوات.. من كان يعرف سر الانقلاب؟

في برنامج «شاهد على العصر» بقناة الجزيرة، قال الدكتور الراحل الشيخ حسن الترابي إنه لا يعرف الضابط عمر البشير إلا قبل يومين من انقلابه في 30 يونيو 1989م. وهذه إفادة بالغة الأهمية، لأنها تفتح باباً واسعاً من الأسئلة حول طبيعة العمل السري داخل الحركة الإسلامية، وكيف كانت تُدار المعلومات، ومن كان يعرف ماذا، ومتى كان يعرفه.
فالترابي، بحسب شهادته، لم يكن يعرف عمر البشير معرفة سابقة تُذكر إلا قبل يومين من الانقلاب. وفي المقابل، تقف أمامنا رواية أخرى تستحق التوقف والتأمل والتحقيق، لا باعتبارها دليلاً قاطعاً بذاتها، وإنما باعتبارها شهادة تستحق أن تُقرأ في سياقها التاريخي والسياسي والتنظيمي.
في شهر مارس سنة 1986م انعقد اجتماع في منزل الترزي المناضل، صاحب العبارة الشهيرة «النضال الإسلامي سكة حياتنا»، وكان من الإخوان المسلمين، وفي ذلك الوقت كانت الجبهة الإسلامية مولوداً جديداً في الساحة السياسية السودانية.
في ذلك الاجتماع تحدثت إحدى الأخوات المسلمات من الكوادر النسائية، وقالت إنَّه إذا تعرضت قوانين سبتمبر 1983م للإلغاء، فسيقود أحد الضباط بسلاح المظلات، برتبة عميد، تغييراً في نظام الحكم، أي انقلاباً، في حالة إلغاء قوانين الشريعة الإسلامية التي فرضها نظام المشير جعفر نميري عام 1983م.
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
كيف يمكن لكادر نسائي في اجتماع سياسي وتنظيمي عام 1986م أن تتحدث عن احتمال تحرك عسكري يقوده ضابط برتبة عميد، إذا أُلغيت قوانين سبتمبر، بينما سيأتي انقلاب 30 يونيو 1989م بعد ذلك بثلاث سنوات تقريباً؟
هل كانت هذه مجرد قراءة سياسية مبكرة للواقع؟
هل كانت توقعاً مبنياً على معلومات متداولة داخل التنظيم؟
أم أن بعض دوائر العمل السري داخل الحركة الإسلامية كانت تمتلك معلومات لا يعرفها بالضرورة جميع القيادات؟
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية:
هل يعني ذلك أن ما تقوم به «الكوادر السرية» داخل جماعة الإخوان المسلمين أو الحركة الإسلامية يمكن أن يكون أحياناً خارج دائرة علم بعض القيادات، بل وربما خارج علم قيادات الصف الأول نفسها؟
هذا السؤال لا يعني بالضرورة أن رواية واحدة تكفي لإثبات وجود خطة انقلاب منذ عام 1986م، ولا يعني أن الحديث الذي دار في ذلك الاجتماع كان بالضرورة إشارة مباشرة إلى عمر البشير أو إلى انقلاب 30 يونيو 1989م. فالتاريخ لا يُكتب بالظنون، وإنما بالوثائق والشهادات المتقاطعة والتسلسل الزمني للأحداث.
لكن المفارقة تستحق التوقف.
فالجزيرة نفسها، في عرضها لشهادة الترابي في «شاهد على العصر»، توثق أن الحديث عن انقلاب 1989م ارتبط بترتيبات سرية، وأن الحلقة تناولت اختيار الضباط وكيفية إدارتهم، كما تضمنت حديثاً عن أساليب التعمية التي اتُّبعت لإخفاء طبيعة الإعداد للانقلاب.

ثم ماذا بعد ؟

زر الذهاب إلى الأعلى