الأعمدة

حين يفقد الموت سطوته: قراءة في المدلول النفسي لأشعار ثورة أكتوبر

بقلم: – إسماعيل السيد أحمد
ظل الشعر وقوداً للحراك الثوري والعمل التحرري؛ إذ لا يقتصر دوره في كونه مجرد أداة فنية تعبر عن نَزوات الفن وتجليات الجمال، بل يتحول إلى سلاح معنوي وقوة ناعمة تستنهض الوعي الجمعي، وتمنح الجماهير لغة للتعبير عن تطلعاتها إلى الحرية والخلاص.
يهدف هذا المقال إلى تناول المدلول النفسي للاستخفاف بالموت في القصائد الاكتوبرية، ويستجلي مدى تحور مفهوم الاستخفاف بالموت إلى ايمان راسخ وفلسفة عميقة دالة على أن الموت ليس مفهوماً معبراً عن الفناء أو العدم، بل مفهوماً دالاً على أعلى درجات التشبث بقيم الحياة ومعاني الحرية، وذلك من خلال استعراضنا لعدد من الاشعار التي كُتبت لتمجيد ثورة أكتوبر 1964.
فعلى سبيل الشاعر/ محمد مفتاح الفيتوري (1936-2015) في قصيدته ” أصبح الصبح ” يعتقد بأن الاستخفاف بالموت لا يعني ازدراء الحياة أو الرغبة في الفناء، وإنما انتصاراً للحياة وتجريداً للذات من خشية الخوف التي تفقدها القدرة على الدفاع عن الحياة الكريمة، بقوله:
التقى كل شهيد ** قهر الظلم ومات
بشهيد لم يزل يبذر في الأرض** بذور الذكريات
في الابيات السابقة، يعتقد الشاعر بأن قهر الشهيد للظلم <> يمنح الموت سيمائية مختلفة؛ فاستشهاده لا يعني استسلامه للموت، بقدر ما أنه يعد انتصاراً على الموت. لأن الشهادة تعني استمرارية الحياة وليست انعدامها، طالما أن الشهيد يبذر بذور الشهادة في الذاكرة والوعي الجمعي للأجيال القادمة <>.
أستدعي الشاعر/ محمد المكي إبراهيم (1939-2024م) في قصيدته “أكتوبر الأخضر” رموز المقاومة وشهداء العزة (المك نمر، وعبد الفضيل الماظ، احمد القرشي طه)، حيث إن استدعاءه لهم لم يكن مجرد تذكير بالماضي، وإنما استحضاراً لحضورهم الرمزي المتجدد في الوعي الثوري لثورة أكتوبر، وبذلك يتم تحويل الموت من واقعة فردية إلى رمز متجدد للمقاومة والانتصار. ويضع الشاعر احتقار الموت مكان الانتصار؛ لأن الموت في فلسفة الوعي الثوري، لا يستطيع أن يهزم الذين تحرروا من الخوف.
كان أكتوبر في قبضتنا الأولى** مع المك النمر
كان أسياف العشر** ومع الماظ البطل
وبجنب القرشي** حين دعاه القرشي حتى انتصر
فلسفة الاستخفاف بالموت؛ عند الشاعر /هاشم صديق (1957 –2024م) في قصيدته ” أوبريت ملحمة الثورة” تخلق حالة نفسية يتحول فيها الموت من مصدر للخوف إلى حافز ينير دروب الحرية والانعتاق، لا سيما في تلك اللحظة التي كان يُتوقع فيها نفسياً أن يفضي استشهاد أحمد القرشي إلى إشاعة الخوف والتردد في نفوس الثائرين، بيد أن استشهاده زاد الثوار صلابة ومقاومة الحكم العسكري ضراوة.
كان القرشي شهيدنا الأول** وما تراجعنا
حلفنا نقاوم ليلنا وسرنا** وما تراجعنا
نزرنا الروح مسكنا دربنا** وما تراجعنا
للشمس النايرة قطعنا بحور **حلفنا نموت او نلقى النور
لم يعد الموت في” أوبريت ملحمة الثورة” بمثابة نهاية مخيفة أو محزنة، وإنما أُعيد انتاجه ليغدو حضوراً رمزياً اُستحضرت فيه روح الشهيد «نصار» لتجرد الساحة من هاجس الغياب، ويتحوّل «دم الشهداء» إلى ماء يسقي الورود، وحينها لا يصبح الدم علامة على الفناء، بل يغدو بذرة للإنبات واستمرار الحياة <>. ثم يتحول الهتاف إلى فعل جماعي يبدد غياهب الخوف، وتغدو الساحة فضاء يُكتب على ارضها بالأحرف النايرة لتحفظ ذاكرة الثورة. وبذلك يصبح فهم الموت- في الوعي النفسي للثوار- عاجزاً عن إيقاف الحياة وإسكات أصواتهم.
يا ساحة بتحضر روح نصار
سقينا ورودك دم ثوار** شتلنا فضاكى هتاف احرار
خطينا ترابك أحرف نايرة** بتحكى سطور ايامنا الثائرة
يفقد الموت سطوته عند الشاعر/ عبد المجيد حاج الأمين (1932 – 2010) في سوح قصيدته” في طريق الجامعة” التي مطلعها (هبت الخرطوم في جنح الدجى)، إذ إنه لم يعد نهاية للطريق، بل جزءً من دروب النضال <>، وآلام الجراح حتماً لا تقود إلى الاستكانة والخنوع، بل تصبح غناءً في مواكب النضال «وجراحات تغني ومصائر»، وبها يتسع نطاق الثورة ليأتي من كل فج ثائر.
وإذا الدرب شهيد ومنابر ** وجراحات تغني ومصائر
ومواكب وقتال** وأتى من كل فج ثائر
هزه صوت ينادي** يا بلادي
قصيدة “أكتوبر واحد وعشرين” للشاعر/ فضل الله محمد (1944 – 2019) والتي تعامل فيها مع الموت على إنه بداية للحياة وليست نهاية لها<>، إذ إن دماء الشهداء لا تُعتبر رمزاً للفناء، وإنما مؤشر لبناء مستقبل جديد للوطن، ويجسد جوهر الاستخفاف بالموت لديه، في كونه ليس إنكار اً للخطر فحسب، بل يجرد الموت من قدرته في التحكم على سلوك الثائرين. فالطلقة، التي تُحيل في دلالتها المباشرة إلى الموت والفناء، تنزاح في الوعي الثوري إلى معنى مغاير؛ إذ يتحول «وهج الطلقة النارية» من أداة لإزهاق الروح إلى شرارة تُشعل «نيران الحرية».
من دم القرشي وأخوانه** في الجامعة أرضنا مروية
من وهج الطلقة النارية** أشعل نيران الحرية
بارك وحدتنا القومية** واعمل من أجل العمران

زر الذهاب إلى الأعلى