
.. سامى عبد الوهاب مكى :
في المقال السابق عن عقلية العسكر في السودان، حاولنا أن نفهم كيف تشكلت علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة، ولماذا ظل الجيش في السودان يرى نفسه في أوقات كثيرة أكثر من مؤسسة مهنية مهمتها حماية البلاد والدستور.
وصلتني بعد المقال ملاحظات من أصدقاء رأوا أن الموضوع يحتاج إلى زاوية أخرى لا تقل أهمية، وهي علاقة العسكر بالدستور.
وأعتقد أن هذه الملاحظة في مكانها تماما.
فالسؤال الذي يجب أن نطرحه ليس فقط لماذا تدخل العسكر في السياسة، وإنما سؤال أعمق: هل عاش السودان أصلا تحت دستور دائم ومستقر يحدد لكل مؤسسة حدودها، ويحدد للحاكم حدود سلطته، ويحدد للمواطن حقوقه، ويضع المؤسسة العسكرية في مكانها الطبيعي داخل الدولة؟
الإجابة التاريخية تقول إن السودان منذ الاستقلال لم ينجح في الوصول إلى هذه الحالة.
منذ استقلال السودان عام 1956 تعاقبت علينا ترتيبات دستورية ودساتير عديدة. كان هناك دستور السودان المؤقت لسنة 1956، ثم دستور 1964 بعد ثورة أكتوبر، ثم دستور 1973 الدائم، ثم الدستور الانتقالي بعد انتفاضة أبريل 1985، ثم دستور 1998، ثم دستور 2005 الانتقالي، وأخيرا الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019.
وهنا تكمن واحدة من أكبر مشكلات الدولة السودانية.
نحن لم نختلف فقط على الحكومات، بل ظللنا نختلف على القاعدة التي تحكم الدولة نفسها.
كلما تغير النظام تغيرت معه القاعدة الدستورية، وكلما جاء نظام جديد أعاد تعريف شكل الدولة وعلاقة مؤسساتها ببعضها، وكأن الدستور في السودان كان في كثير من الأحيان وثيقة تعكس ميزان القوى القائم، بدلا من أن يكون هو الوثيقة التي تضبط ميزان القوى.
ولذلك لا يكفي أن نقول إن السودان كانت لديه دساتير.
السؤال الأهم هو: هل كان لدينا دستور استطاع أن يصبح مرجعية أعلى من الحاكم والمؤسسة والحزب والجيش؟
دستور 1956 جاء مع الاستقلال، وكان دستورا مؤقتا إلى أن يتم الاتفاق على دستور دائم. لكنه لم يعش طويلا، فقد جاء انقلاب نوفمبر 1958 وأدخل البلاد في أول تجربة حكم عسكري بعد الاستقلال.
ثم جاءت ثورة أكتوبر 1964، فعاد الحديث عن الحكم الدستوري، ووضع دستور مؤقت في ذلك العام، وظلت تعديلات عليه قائمة خلال المرحلة الديمقراطية حتى نهاية الستينيات.
ثم جاء دستور 1973، وهو الذي حمل وصف الدستور الدائم لجمهورية السودان الديمقراطية.
لكن الدستور الدائم نفسه لم يصبح دائما.
جاء انقلاب مايو 1969 قبل ذلك، ثم جاء نظام سياسي جديد أعاد تشكيل الدولة والدستور، وأصبح الدستور في النهاية تابعا للنظام السياسي وليس حاكما له.
ثم جاءت انتفاضة أبريل 1985، وسقط نظام مايو، وعاد السودان إلى مرحلة انتقالية ودستور انتقالي جديد.
وبعدها جاءت انتخابات 1986، ثم الحياة البرلمانية، ثم انقلاب 1989 الذي أنهى التجربة الديمقراطية مرة أخرى، وألغى الإطار الدستوري القائم وبدأ السودان مرحلة جديدة استمرت حتى 2005.
ثم جاء دستور 1998 في ظل نظام الإنقاذ.
ثم جاء دستور 2005 الانتقالي بعد اتفاقية السلام الشامل، وكان من أكثر النصوص الدستورية وضوحا في تحديد وضع القوات المسلحة.
فالدستور لم يقل إن القوات المسلحة تحمي النظام الحاكم.
بل نص على أن القوات المسلحة قوة نظامية مهنية وغير حزبية، ومهمتها الدفاع عن سيادة البلاد وسلامة أراضيها، ونص بصورة واضحة على احترام النظام الدستوري وسيادة القانون والحكومة المدنية والديمقراطية وحقوق الإنسان وإرادة الشعب.
وهنا يجب أن نتوقف قليلا.
لأن هذه الكلمات ليست مجرد عبارات جميلة تكتب في الدساتير.
إذا كانت القوات المسلحة تحترم النظام الدستوري، فهذا يعني أنها ليست هي التي تحدد النظام الدستوري.
وإذا كانت تحترم الحكومة المدنية، فهذا يعني أن وجود حكومة مدنية منتخبة أو قائمة وفقا للدستور لا يعطي الجيش حق استبدالها متى رأى أن أداءها لم يعجبه.
وإذا كانت تحترم إرادة الشعب، فهذا يعني أن مصدر الشرعية السياسية هو الشعب والدستور، وليس الرتبة العسكرية ولا السلاح ولا القدرة على السيطرة على مؤسسات الدولة.
وهنا نصل إلى جوهر المشكلة.
عندما يغيب الدستور الدائم المستقر، يبدأ كل طرف في تعريف الدولة بالطريقة التي تناسبه.
السياسي يرى الدولة من زاوية الحزب والانتخابات.
والعسكري قد يراها من زاوية الأمن والانضباط.
والحزب يرى الشرعية في صناديق الانتخابات.
والقائد العسكري قد يرى الشرعية في قدرته على منع الفوضى.
ومع الوقت يتحول الخلاف من خلاف على السياسات إلى خلاف على من يملك حق تعريف الدولة نفسها.
وهكذا تتغير عقلية العسكري.
بدلا من أن يكون السؤال في ذهنه: ما الذي يسمح لي به الدستور؟
يصبح السؤال: ما الذي أستطيع أن أفعله بحكم موقعي وقوتي؟
وهذه هي النقلة الخطيرة.
فالجيش في الدولة الدستورية ليس مؤسسة فوق الدولة، ولا مؤسسة موازية للدولة، ولا حكما بين السلطات.
هو مؤسسة من مؤسسات الدولة، قوية نعم، ومنظمة نعم، ومسلحة نعم، لكنها مقيدة بالدستور والقانون.
والدستور ليس فقط وثيقة تحدد علاقة المواطن بالدولة، بل هو أيضا الوثيقة التي تحدد علاقة مؤسسات الدولة بعضها ببعض.
ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن الدستور عندما نتحدث عن عقلية العسكر.
لأننا إذا أردنا تغيير هذه العقلية فلا يكفي أن نقول للعسكري لا تتدخل في السياسة.
يجب أن نعيد بناء الدولة بحيث يكون واضحا للعسكري والسياسي والمواطن جميعا أين تبدأ صلاحيات كل واحد وأين تنتهي.
الوثيقة الدستورية لسنة 2019 حاولت هي الأخرى وضع إطار لهذه العلاقة، فنصت على أن القوات المسلحة والدعم السريع مؤسستان عسكريتان وطنيتان لحماية وحدة وسيادة البلاد، وأنهما تخضعان للسلطة السيادية، وأن القوانين المنظمة لهما تحدد علاقتهما بالسلطة التنفيذية.
لكن الوثيقة نفسها كانت وثيقة انتقالية وليست دستورا دائما، كما أنها جاءت نتيجة تسوية سياسية بين قوى مدنية والمجلس العسكري، ولذلك بقيت العلاقة بين المكون العسكري والمدني محكومة بتوازن سياسي هش أكثر مما كانت محكومة بثقافة دستورية راسخة.
وهنا نعود إلى أصل المشكلة.
السودان ظل منذ الاستقلال ينتقل من دستور إلى آخر، ومن نظام إلى آخر، ومن مرحلة انتقالية إلى مرحلة انتقالية، دون أن ينجح في بناء تقليد دستوري مستقر يجعل الدستور أكبر من الأشخاص وأكبر من الأحزاب وأكبر من المؤسسة العسكرية.
ولهذا فإن معركة السودان القادمة ليست فقط معركة اختيار حكومة.
وليست فقط معركة اختيار رئيس.
وليست فقط معركة إعادة ترتيب العلاقة بين الجيش والقوى السياسية.
المعركة الحقيقية هي بناء دولة يعرف فيها الجميع أن هناك قواعد لا يستطيع أحد تجاوزها.
يجب أن يعرف العسكري أن مهمته الدفاع عن الدولة وليست حكمها.
ويجب أن يعرف السياسي أن وصوله إلى السلطة لا يجعله فوق القانون.
ويجب أن يعرف المواطن أن حقوقه لا تتوقف على مزاج الحاكم ولا على قوة السلاح.
ويجب أن يعرف الجميع أن تغيير الحكومة يتم بالطريق الذي يحدده الدستور، وليس بالطريق الذي تحدده الدبابة أو البندقية أو الشارع أو القوة المسلحة.
الدستور الدائم ليس ورقة تعلق في البرلمان.
الدستور هو العقد الذي يقول للعسكري: هذا حدك.
ويقول للسياسي: وهذا حدك.
ويقول للمواطن: هذه حقوقك.
ويقول للدولة كلها: لا أحد فوق القانون.
ولهذا فإن الحديث عن عقلية العسكر في السودان يجب ألا ينتهي عند سؤال لماذا تدخل الجيش في السياسة، بل يجب أن يصل إلى السؤال الأصعب: لماذا ظل السودان عاجزا عن بناء نظام دستوري يجعل تدخل الجيش في السياسة خروجا واضحا على قاعدة يعرفها الجميع؟
ربما هنا يكون جزء كبير من الإجابة.
فالعسكري الذي يعيش داخل دولة لا يتغير دستورها كلما تغير الحاكم، ولا تسقط شرعيتها بانقلاب، ولا تصبح مؤسساتها ملكا لمن يسيطر عليها بالقوة، يتعلم مع الزمن أن وظيفته هي حماية الدولة لا امتلاكها.
أما في الدولة التي ظل دستورها نفسه يتغير مع تغير موازين القوة، فإن الحدود تصبح ضبابية، ويصبح الاستثناء عادة، وتصبح السلطة بالقوة أمرا قابلا للتبرير كلما وجد صاحبه سببا سياسيا أو أمنيا لذلك.
وهنا لا تعود المشكلة في عقل العسكري وحده.
المشكلة تصبح في الدولة التي لم تنجح بعد في أن تجعل الدستور أقوى من البندقية.
وهذا ربما هو الدرس الأهم من تاريخ السودان الدستوري كله.
نحن لا نحتاج فقط إلى دستور جديد.
نحتاج إلى ثقافة دستورية جديدة.
ثقافة تجعل الجيش يحمي الدستور لا يفسره على هواه، والسياسي يحكم بالدستور لا يتجاوزه، والمواطن يعرف حقوقه ويدافع عنها، وتصبح شرعية الدولة مستمدة من الدستور وإرادة الشعب لا من قدرة أي طرف على فرض الأمر الواقع.
عندها فقط يمكن أن تتغير عقلية العسكر.
وعندها فقط يصبح الجيش جيشا للدولة، لا طرفا في الدولة.
والدولة دولة مواطنين، لا دولة من يملك القوة



