
الحوار السوداني ـ السوداني لم يعد شعاراً يُرفع في المنابر، ولا عنواناً دبلوماسياً للاستهلاك السياسي؛ بل أصبح، في ظل ما يعيشه السودان من حرب واستقطاب وانقسام، ضرورة وطنية لا تحتمل المزيد من التأجيل.
وبعد الترحيب الذي صدر عن مفوضية الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، وما أُعلن من مواقف مؤيدة لفكرة الحوار السوداني ـ السوداني، تبدو الرسالة الأهم واضحة: السودان لا يمكن أن يُبنى إلا بأيدي السودانيين، ولا يمكن أن تُصاغ مستقبله إلا إرادة سودانية تبحث عن نقاط الالتقاء بدلاً من تكريس الخلاف.
والشارع السوداني، في تقديري، لا يمكن القول إنه يمانع الحوار بصورة قاطعة؛ بل إن المؤشرات الاجتماعية والسياسية تقول إن قطاعات واسعة من السودانيين تتطلع إلى حوار جاد ومتوافق عليه، لا يكون منصة لتبادل الاتهامات، ولا صفقة لتقاسم السلطة، وإنما مدخلاً لبناء حد أدنى من الثقة، يمهّد لحوار شامل ينتج عقداً اجتماعياً سودانياً جديداً.
عقدٌ يؤسس لدولة التسامح والسلام والتعايش السلمي، ويحمي الأمن والاستقرار، ويضع قواعد واضحة للعمل السياسي، وينظم علاقة الأحزاب بالدولة والمجتمع، ويمنع تحويل الخلاف السياسي إلى حرب مفتوحة على الوطن.
الكابلي طرح السؤال مبكراً.. فهل نستمع إليه الآن؟
وهنا تستوقفني رؤية طرحها القامة الفنية والثقافية الراحل عبد الكريم الكابلي خلال لقائه بالفريق أول عبد الفتاح البرهان، حين تحدث عن رؤيته لتنظيم الحياة الحزبية في السودان، واقترح اختصار الخارطة السياسية في حزبين كبيرين:
الأول: حزب التعدد الفدرالي الاتحادي الديمقراطي.
الثاني: حزب التنوع الوطني الاتحادي الديمقراطي.
قد يختلف الناس مع مقترح الكابلي، وقد يرونه قابلاً للنقاش والتطوير أو غير قابل للتطبيق بصورته الحرفية، لكن قيمة الفكرة ليست بالضرورة في عدد الأحزاب الذي اقترحه، وإنما في السؤال الذي وضعه على الطاولة: إلى متى تظل الدولة السودانية أسيرة التشظي الحزبي والاستقطاب السياسي؟
فالمشكلة ليست في التعدد السياسي من حيث المبدأ؛ فالتعدد أحد أوجه الديمقراطية. وإنما المشكلة عندما يتحول التعدد إلى تفتيت للمجتمع، وتناسل لا نهائي للكيانات، وصراع على السلطة بلا مشروع وطني جامع.
والكابلي، وهو الفنان والمثقف الذي عرف السودان وجداناً وثقافةً ومجتمعاً، كان يراهن على الشباب؛ وهم بالفعل الكتلة الأكبر والأكثر تأثيراً في مستقبل البلاد.
فهل آن الأوان لأن يُعاد طرح هذه الأفكار وغيرها على طاولة حوار وطني حقيقي؟
ليس المطلوب أن نأخذ رؤية الكابلي باعتبارها نصاً مقدساً، وإنما أن نفتح الباب أمام الأفكار السودانية التي حاول أصحابها، في أزمنة مختلفة، البحث عن مخرج من مأزق السياسة السودانية.
وفاطمة أحمد إبراهيم.. والبشير.. صورة تختصر شعباً بأكمله
وفي الجانب الآخر، هناك مشهد سوداني لا يقل دلالة عن فكرة الكابلي.
مشهد الرئيس السوداني السابق عمر البشير وهو يصافح ويعانق المناضلة النسائية الشيوعية فاطمة أحمد إبراهيم.
قد يختلف الرجلان سياسياً إلى أقصى درجات الاختلاف، وقد تمثل كل شخصية منهما اتجاهاً سياسياً وفكرياً بعيداً عن الآخر، لكن المشهد حمل رسالة أكبر من الخلاف السياسي نفسه:
أن الخصومة السياسية لا تعني بالضرورة العداء الشخصي، وأن الاختلاف الفكري لا يجب أن يتحول إلى كراهية اجتماعية، وأن السودان يستطيع أن يجمع أبناءه رغم اختلاف مشاربهم ومواقفهم.
وفي برنامج «أسماء في حياتنا» الذي قدمه الإعلامي المخضرم الدكتور عمر الجزلي، وحين كانت فاطمة أحمد إبراهيم تتحدث عن ذلك الموقف، قالت عبارة شديدة الدلالة:
«حقيقة الشعب السوداني ما في زيهم».
وهنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي.
إذا كان الشعب السوداني، في وجدانه وتاريخه الاجتماعي، قادراً على أن يرى الإنسان قبل أن يرى خصومته السياسية، فلماذا تعجز النخب السياسية عن صناعة هذا الجسر؟
لماذا يصبح الاختلاف السياسي في السودان أحياناً مشروع قطيعة اجتماعية؟
ولماذا لا نستطيع تحويل ثقافة «نختلف ولا نتعادى» إلى قاعدة تحكم العمل السياسي؟
السودان يحتاج إلى عقد اجتماعي.. لا إلى هدنة مؤقتة
الحوار السوداني المنشود يجب ألا يكون مجرد اجتماع آخر للنخب، ولا صورة جماعية أمام الكاميرات، ولا مؤتمراً ينتهي ببيان ختامي ثم يعود الجميع إلى مربعاتهم القديمة.
السودان يحتاج إلى حوار ينتج قواعد جديدة للعيش السياسي والاجتماعي.
حوار يجيب بوضوح عن أسئلة جوهرية:
من يحكم السودان؟
كيف تُمارس السلطة؟
كيف تُدار الدولة؟
كيف تُنظم الأحزاب؟
كيف تُحمى الحريات؟
كيف تُصان المواطنة؟
كيف تُدار الاختلافات القومية والثقافية والجهوية؟
كيف نمنع إنتاج الحرب من جديد؟
وكيف نؤسس لدولة لا يشعر فيها مواطن بأنه أقل سودانية من مواطن آخر بسبب رأيه أو منطقته أو انتمائه السياسي؟
هذه ليست أسئلة ترفية.
هذه أسئلة بقاء الدولة السودانية نفسها.
من الكابلي إلى فاطمة.. الطريق واحد
بين رؤية الكابلي في تنظيم الحياة السياسية، ومشهد البشير وفاطمة أحمد إبراهيم، مسافة زمنية وسياسية كبيرة، لكن بينهما خيط واحد:
السودان أكبر من الأحزاب، وأكبر من الأشخاص، وأكبر من الخصومات السياسية.
والحوار السوداني ـ السوداني، إذا أُريد له النجاح، يجب أن يستفيد من هذه الروح.
لا حواراً لتصفية الحسابات.
ولا حواراً لمنح صكوك الغفران.
ولا حواراً لتبرئة من ارتكب جرماً.
ولا حواراً يساوي بين المسؤولية الوطنية والعبث.
بل حواراً يضع مصلحة السودان فوق مصلحة التنظيم والحزب والشخص.
فالعدالة لا تعني الانتقام، والتسامح لا يعني إسقاط الحقوق، والمصالحة لا تعني طمس الجرائم، والتعايش لا يعني التنازل عن الثوابت.
بل يعني أن نضع لكل شيء مكانه:
العدالة للضحايا، والمحاسبة للمجرمين، والسياسة للسياسيين، والدولة لجميع السودانيين.
وهنا ربما تكون العبارة التي قالتها فاطمة أحمد إبراهيم ــ «حقيقة الشعب السوداني ما في زيهم» ــ ليست مجرد تعليق عابر على موقف قديم، وإنما مفتاحاً لفهم ما نحتاجه اليوم.
فإذا كان الشعب السوداني يستطيع أن يتجاوز مرارات السياسة في لحظة إنسانية واحدة، فلماذا لا تستطيع النخب أن تتجاوز بعض حساباتها من أجل وطن كامل؟
السودان لا يحتاج فقط إلى أن يتحاور السودانيون؛ بل يحتاج إلى أن يتعلم السودانيون كيف يختلفون دون أن يهدموا وطنهم.
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية:
معركة بناء الدولة، لا معركة كسب الخصومة.
ومعركة صناعة المستقبل، لا إعادة إنتاج الماضي.
فهل يكون الحوار السوداني ـ السوداني هذه المرة بداية لعقد اجتماعي جديد، أم يظل مجرد عنوان جميل في دفتر الأزمات السودانية؟ ثم ماذا بعد ؟



