الدولة السودانية : تشتري مقابر مجانية لدفن اللاجئين السودانيين في مصر… وتتحمل تكاليف التكفين والدفن والعلاج

✍️ محمد الفاتح حضرة
منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، لجأ ملايين السودانيين إلى دول الجوار، وكان نصيب مصر كبيراً من هؤلاء اللاجئين.
جاءوا إلى مصر بحثاً عن الأمان…
جاء بعضهم للعلاج، وبعضهم هرباً من الحرب، وبعضهم جاء بأسرته وأطفاله طلباً للحياة والتعليم والعمل.
لكن أطراف الحرب لم يتركوا المواطن السوداني حتى في منفاه.
فقد تسببوا بحربهم العبثية في إنهيار قيمة الجنيه السوداني..
بسبب الحرب، فقد الكثير من السودانيين أعمالهم ومصادر دخلهم، وأصبح كثير من اللاجئين عاجزين عن توفير أبسط ضروريات الحياة.
🫵من بين أهم هذه الضروريات التي لا نتحدث عنها كثيراً:
دفن الميِّت ‼️
🤔ماذا يفعل السوداني إذا مات في مصر؟!
في مصر، لا توجد في الأصل مقابر عامة مجانية على النحو الذي يعرفه السودانيون في بلادهم ، وإنما تقوم العائلات بشراء قطع من الأرض وتخصيصها للدفن، أو شراء القبر أو تأجيره وفق النظام المتبع في كل منطقة.
من يموت من الأجانب في مصر، سيحتاج أهله إلى توفير قبر، إلى جانب تكاليف الحانوتي والتكفين والدفن.
في بداية الحرب، كانت تكلفة الحانوتي والقبر في بعض المناطق في حدود عشرة آلاف جنيه مصري.
وكان هذا المبلغ قبل ثلاث سنوات يعادل حوالي 150 أو 160 ألف جنيه سوداني.
والعشرة الف جنيه مصري ، تعادل اليوم حوالي مليون وسبعمائة ألف جنيه.او مليار وسبعمائة ألف جنيه بالعملة القديمة ‼️
مؤخراً..
حدثت طفرة عجيبة بشأن سعر القبر . فقد أصبحت تكلفة شراء قبر لدفن الميت في بعض المناطق المصرية تبلغ أكثر من ثلاثين ألف جنيه مصري‼️💢
أي ما يعادل نحو خمسة ملايين جنيه سوداني وفق أسعار الصرف المتداولة.
أو نحو خمسة مليارات جنيه سوداني بالقديم‼️
وهنا أسأل:
🤔 هل يستطيع اللاجئ السوداني في مصر الذي فقد بيته وعمله ومصدر رزقه، وربما يعيش على مساعدات أقاربه أو أهل الخير، أن يدفع خمسة ملايين جنيه سوداني لشراء قبر؟!
الواقع يقول: لأ.
ولهذا بدأ السودانيون في بعض المناطق يتكافلون فيما بينهم.
يضعون الصناديق…
ويجمعون التبرعات…
ويبحثون عن المال…
حتى يستطيعوا ستر موتاهم ودفنهم.
أي أن السودانيين الذين شردتهم الحرب، أصبحوا هم أنفسهم يتحملون مسؤولية دفن أنفسهم في بلد اللجوء.
قد يموت السوداني في المستشفى، وتبقى عليه فواتير علاج، ثم تأتي بعد ذلك تكلفة التكفين والدفن والقبر.
أسرة فقدت معيلها، وأفقرت بسبب الحرب، ثم تجد نفسها مواجهة بأن تدفع مبلغ هائل متبقي عليهم من فاتورة علاج المرحوم, بالإضافة الي ثمن القبر وتكاليف الكفن وعملية الدفن !!
🤔أين الدولة السودانية من كل هذه التكاليف المالية ؟!
غياب تااااام ‼️
🛑 السفارة السودانية تستطيع أن تفعل شيئاً بسيطاً جداً ومؤثراً جداً ‼️
أنا لا أتحدث هنا عن مشروع ضخم.
ولا أطالب بإنفاق مليارات الدولارات.
ولا أطلب من السفارة أن تحل مشكلة اللاجئين السودانيين في مصر كلها.
أتحدث عن أبسط واجبات الدولة تجاه مواطنيها..
🫵لماذا لا تشتري السفارة السودانية قطعة أرض في مصر، وتخصصها مقابر مجانية للسودانيين؟!
لماذا لا تتحمل السفارة تكاليف التكفين والدفن للسوداني الذي يموت وهو لا يملك المال؟!
ولماذا لا تتحمل، في الحالات الإنسانية، ما يتبقى من فواتير علاج السوداني الذي يموت في المستشفى ولا تستطيع أسرته الفقيرة سدادها؟!
هنالك جاليات عديدة في مصر لديها مقابر مخصصة لموتاها.
فلماذا لا تكون للسودانيين مقابرهم؟!
ولماذا يظل السوداني، حتى بعد أن يموت، محتاجاً إلى تبرعات السودانيين الآخرين؟!
🛑 لقد فعلت الدولة السودانية ذلك من قبل‼️
وهنا أتذكر واقعة مهمة جداً من أيام جائحة كورونا.
في عهد الحكومة الانتقالية برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك، علق سودانيون في مصر بسبب الجائحة وإغلاق الحدود والإجراءات الاستثنائية التي صاحبتها.
ماذا فعلت الحكومة السودانية آنذاك؟!
تكفلت بهم.
تحركت السفارة السودانية في القاهرة.
وفرت لهم السكن.
وقدمت لهم الإعانات.
ورعت المرضى منهم.
وظلت الدولة تتحمل نفقات العالقين السودانيين لأشهر، إلى أن انتهت الأزمة وتمكنوا من العودة.
وهكذا تظهر المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها:
الحكومة المدنية لم تقل للمواطن السوداني:
أنت خارج السودان، فتدبر أمرك.
ولم تتركه لمصيره لأنه أصبح في دولة أخرى.
بل اعتبرت أن السوداني يظل مواطناً مسؤولةً عنه دولته، أينما كان.
وهذا هو معنى الدولة.
🛑 🤔 وماذا فعلت بعد ذلك حكومة العسكر الانقلابيين؟!
منذ اندلاع الحرب، هل رأينا الحكومة السودانية تتعامل مع النازحين داخل السودان بهذه الروح؟!
هل رأينا برنامجاً حكومياً حقيقياً تتكفل فيه الدولة بإعاشة النازحين وعلاجهم وإيوائهم؟!
هل رأينا الدولة تتحمل مسؤولية ملايين السودانيين الذين فقدوا بيوتهم وأعمالهم ومصادر رزقهم؟!
هل رأيناها توفر لهم الحد الأدنى من مقومات الحياة؟!
لم يحدث ذلك بالقدر الذي يليق بمسؤولية الدولة تجاه شعبها.
فإذا كانت الدولة لم تتحمل مسؤوليتها تجاه النازح داخل وطنه…
فكيف نتوقع منها أن تتحمل مسؤوليتها تجاه اللاجئ خارج وطنه؟!
وهنا لا يعود السؤال عن مجرد مقبرة في مصر..
بل السؤال يصبح:
ما الذي تعنيه الدولة السودانية بالنسبة إلى المواطن السوداني؟!
وماذا تفعل الدول المتحضرة التي تعرف معنى الدولة؟!
في الأزمات والكوارث والحروب والأوبئة، لا تترك الدول مواطنيها وحدهم لمواجهة مصيرهم.
السفارة ليست مجرد مبنى إداري.
السفارة هي امتداد للدولة في الخارج.
وعندما تقع كارثة أو حرب أو وباء، تتحرك سفارات الدول لرعاية مواطنيها:
تبحث عنهم…
تطمئن عليهم…
تساعد المرضى…
تساعد العاجزين…
تنسق لإجلاء من يحتاج إلى الإجلاء…
وتوفر المساعدة لمن انقطعت بهم السبل..
ليس لأن المواطن عضو في الحزب الحاكم..
ولا لأنه من جماعة معينة..
ولا لأنه مؤيد للحكومة..
🫵بل لأنه مواطن.
وهذه هي النقطةالمركزية التي أريد أن يفهمها القارئ.
الدولة لا ترعى مواطنيها لأنهم موالون لها؛ وإنما لأنها دولتهم.
🛑 وهنا نصل إلى أصل المشكلة السودانية‼️
الدولة ليست ملكاً للحاكم.
وليست ملكاً للحزب.
وليست ملكاً للجماعة.
وليست ملكاً للعسكر.
الدولة هي الكيان الذي ينظم حياة الشعب، ويحميه، ويضمن حقوقه، ويدير موارده ومؤسساته لمصلحته.
هذه العلاقة ما بين الدولة والشعب تقوم على ما يسمى بالعقد الاجتماعي.
وبموجب هذا العقد ، فإن المواطن يلتزم بالقانون، ويؤدي واجباته تجاه الدولة، والدولة في المقابل تحميه، وتحمي ماله وأسرته، وتوفر الأمن والعدالة والخدمات، وتتحمل مسؤوليتها تجاهه في أوقات الأزمات والحروب والكوارث.
🤔ولكن ماذا يحدث عندما تختطف جماعة ما أو حزب الدولة؟!
سيختفي العقد الاجتماعي.
وستتحول الدولة من دولة لجميع المواطنين ، إلى دولة تخدم فقط الحزب أو الجماعة التي تسيطر علي الحكم في البلاد .
وهذا، في تقديري، هو أحد أهم مفاتيح فهم تاريخ السودان الحديث.
🛑 نموذج الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني‼️
من يراجع تاريخ نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية يجد أن التمكين لم يكن مجرد سيطرة سياسية على الحكم، وإنما امتد إلى مؤسسات الدولة وأجهزتها ومواردها.
ومن أوضح ما يكشف طبيعة هذا التصور ما ورد في تسريبات اجتماع شورى جماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني التي أذاعتها قناة العربية، حيث سمع السودانيون عمر البشير يتحدث عن السودان بإعتباره ملكاً للحركة الإسلامية، وأن كل ما تحتاجه جماعة الحركة الإسلامية يجب على الوزراء والولاة توفيره لها، من أموال وسيارات وغير ذلك.
إذا صح ما ورد في ذلك التسجيل، فهو يكشف تصوراً بالغ الخطورة:
أن تصبح الدولة في خدمة الجماعة، بدلاً من أن تكون الجماعة في خدمة الدولة والشعب.
ومن هنا يمكن أن نفهم كثيراً مما حدث للسودانيين طوال العقود الماضية.
🛑 المواطن هو الذي دفع الثمن دائماً‼️
في جنوب السودان…
حرب طويلة، وقتل ودمار وتشريد، ثم انتهى الأمر بانفصال الجنوب.
وفي دارفور…
وفي أبيي…
وفي النيل الأزرق…
وفي جنوب كردفان…
ثم اليوم في الحرب بين القوات المسلحة والدعم السريع…
ظل المواطن السوداني هو الحلقة الأضعف.
يُقتل…
ويُهجّر…
ويفقد بيته…
ويفقد ماله…
ويفقد عمله…
ثم قد يفقد حتى حقه في معرفة أين دُفن أبوه أو ابنه أو أخوه أو زوجته.
وتلك ليست مأساة بدأت في 15 أبريل 2023.
فقد عرف السودان قبل ذلك بسنوات طويلة مأساة القبور المجهولة والمفقودين.
ضباط محاولة رمضان في أبريل 1990…
ومأساة العيلفون عام 1998…
وضحايا فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019…
ثم مفقودو وانتهاكات ما بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021…
ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتفتح الباب على مصراعيه.
مات سودانيون داخل بيوتهم.
ودُفن بعضهم في أفنية المنازل.
ودُفن آخرون في الشوارع والميادين وملاعب كرة القدم.
وبعض الجثامين لم تجد من يدفنها أصلاً.
‼️ فأصبح السوداني مهدداً بأن يكون مجهول المصير في حياته، ومجهول القبر في موته.
🛑 عشرة آلاف سوداني تم دفنهم في مقابر بلبيس وحدها !!
بتاريخ 6 أكتوبر كتب الصحفي عثمان فضل الله، ناقلاً عن أحد المسؤولين عن الدفن في مقابر بلبيس، أن عدد السودانيين الذين دُفنوا هناك خلال فترة الحرب قد بلغ نحو عشرة آلاف سوداني.
عشرة آلاف!!
وذلك في مقابر بلبيس وحدها!!
إن كان هذا الرقم يحكي الحقيقة، وهو رقم منقول وليس إحصاءً رسمياً، فكم بلغ عدد السودانيين الذين ماتوا في بقية مدن ومحافظات مصر الأخري؟! 🤔
وكم عدد السودانيين الذين ماتوا في تشاد؟
وفي إثيوبيا؟
وفي جنوب السودان؟
وفي ليبيا؟
وفي بقية دول الجوار؟!
كم جثماناً دُفن بعيداً عن أهله؟
وكم أسرة لا تعرف حتى اليوم أين دُفن فقيدها؟!
هنا تتضح الصورة أكثر:
الحرب لم تشرد السودانيين من بيوتهم فقط…
بل شردتهم حتى في موتهم.
🛑 القبر مجرد مثال صغير على مشكلة أكبر بكثير.
المشكلة هي:
من يملك الدولة؟
ولمن تعمل الدولة؟!
هل تعمل للشعب كله؟
أم تعمل للحزب والجماعة ومن يسيطر على السلطة؟!
وهنا نفهم لماذا لم تعد القضية مجرد مطالبة السفارة السودانية بشراء قطعة أرض للدفن..
نحن أمام سؤال أكبر:
هل الدولة السودانية دولة لشعب السودان، أم دولة لمن يسيطر عليها هو وشركائه؟!
طالما استمر الانقلاب العسكري في السودان…
وطالما استمرت الحرب…
وطالما ظل الصراع على الدولة قائماً…
فإن الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والأمني سيستمر ‼️
سيستمر النزوح.
وسيستمر اللجوء.
وسيستمر الفقر.
وستزداد معاناة السودانيين، أحياءً وأمواتاً.
🛑 متى سيفهم الشعب السوداني أصل المشكلة؟! 🤔‼️
لن يتوقف هذا الانهيار بمجرد أن نطعم النازح أو نعالج الجريح أو ندفن الميت..
كل ذلك واجب وضروري.
لكن أصل المشكلة أعمق.
🫵أصل المشكلة هو اختطاف الدولة بواسطة حملةالسلاح والبندقية .
يحتاج الشعب السوداني إلى عقد اجتماعي جديد بين الدولة والشعب.
دولة لا تكون ملكاً لحزب.
ولا لجماعة.
ولا لطائفة.
ولا للعسكر.
دولة يكون فيها المواطن هو صاحب الحق الأول.
وحكومة مدنية مسؤولة أمام الشعب.
ومؤسسات عسكرية وأمنية تؤدي واجبها الدستوري والمهني، ولا تتولى الحكم ولا العمل السياسي.
وعندها فقط يمكن أن نبدأ في بناء دولة يعرف فيها السوداني أن:
حياته لها قيمة.
وبيته له حرمة.
وماله مصون.
وأبناءه ليسوا وقوداً لحروب السياسيين.
وإذا مات في وطنه أو خارجه…
فإن دولته لن تترك أهله يبحثون عن قبر له بين الغرباء.
لأن الدولة التي تحترم مواطنها وهو حي…
ستحترمه حتى بعد موته.
السودان ليس ملكاً للحركة الإسلامية، ولا للمؤتمر الوطني، ولا لقادة الجيش، ولا للدعم السريع، ولا لأي حزب أو جماعة..
السودان ملك لشعب السودان.



