الأقتصاد

الحرب ترفع كلفة المعيشة في السودان.. الدقيق والوقود والفول يضيّقون الخناق على المواطنين

تتسع الضائقة المعيشية في السودان مع استمرار الحرب، بينما يدفع المواطن كلفة الانهيار الاقتصادي من دخله وغذائه واحتياجاته اليومية. ومع دخول الحرب عامها الرابع، تتزامن أزمة الوقود مع ارتفاع أسعار الدقيق وحظر استيراد الفول، في وقت تواصل فيه سلطة بورتسودان إدارة الاقتصاد في ظل تداعيات الحرب، بدلاً من إنهاء الصراع الذي أصبح أحد أكبر مصادر الاستنزاف للسوق السوداني.
وفي أحدث مؤشرات ارتفاع أسعار الدقيق، أعلنت المطاحن والتجار أسعاراً جديدة اعتباراً من اليوم الاثنين 5 أكتوبر 2026، بلغ معها سعر جوال الدقيق زنة 50 كيلوغراماً نحو 218 ألف جنيه، فيما وصل سعر الجوال زنة 25 كيلوغراماً إلى 112,100 جنيه، مع اختلاف الأسعار بحسب النوع والمنطقة والتاجر.
وتأتي هذه الزيادات في وقت كانت فيه وزارة الصناعة والتجارة قد أعلنت في سبتمبر اتفاقاً مع المطاحن لتوفير جوال الدقيق زنة 25 كيلوغراماً بسعر 87 ألف جنيه واصلاً إلى المخبز، ما يعني أن السعر المتداول حالياً يزيد بنحو 25,100 جنيه على السعر المتفق عليه.
لكن الزيادات الجديدة تعني أن تكلفة الغذاء تواصل الابتعاد عن قدرة الأسر التي تآكلت مداخيلها بفعل الحرب والتضخم وانهيار قيمة الجنيه.
الفول يدخل دائرة الغلاء
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على القمح والدقيق. ففي 2 أكتوبر، أصدرت وزارة الزراعة والري التابعة لسلطة بورتسودان قراراً بحظر استيراد الفول المصري من جميع دول العالم، تنفيذاً لقرار رئيس الوزراء بشأن تنظيم استيراد السلع الغذائية. وبررت الوزارة الخطوة بحماية المنتج المحلي وتشجيع الإنتاج الوطني.
ويأتي القرار في توقيت شديد الحساسية، إذ يعتمد قطاع واسع من السودانيين على الفول كواحدة من أرخص الوجبات وأكثرها انتشاراً، خصوصاً بين الأسر محدودة الدخل والطلاب والعمال. وحذرت تقارير اقتصادية محلية من أن منع الاستيراد، في ظل عدم كفاية الإنتاج المحلي، قد يؤدي إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بسعر سلعة واحدة. عندما يرتفع سعر الفول والدقيق والوقود في الوقت نفسه، ترتفع تكلفة الوجبة نفسها، ثم تنتقل الزيادة إلى المطاعم والمخابز والنقل والأسواق، فتتحول كل زيادة منفردة إلى موجة غلاء اكبر.
الوقود يرفع تكلفة كل شيء
وتأتي أزمة الدقيق والفول في وقت يعاني فيه السودان من أزمة وقود حادة. ففي نهاية سبتمبر وبداية أكتوبر، شهدت الخرطوم وولايات أخرى طوابير طويلة أمام محطات الوقود، مع ارتفاع كبير في أسعار السوق الموازية.
وبحسب تقارير، وصل سعر غالون البنزين في السوق السوداء إلى نحو 60 ألف جنيه، مقابل نحو 37 ألفاً في المحطات، بينما تراوح سعر غالون الديزل في السوق الموازية بين 65 و70 ألف جنيه، مقابل 45 ألفاً في المحطات. كما رفعت ولايات أسعار البنزين الرسمية اعتباراً من الأول من أكتوبر.
والوقود يشكل حلقة أساسية في حركة السوق. فالدقيق يحتاج إلى النقل، والفول يحتاج إلى النقل، والخبز يحتاج إلى الوقود، والمزارع يحتاج إلى الوقود، وكذلك مضخات الري والشاحنات والأسواق. لذلك فإن نقص الوقود يتحول سريعاً إلى زيادة في تكلفة إنتاج ونقل وتوزيع كل السلع تقريباً.
المواطن يدفع ثمن الحرب
هذه التطورات تحدث فوق اقتصاد أنهكته الحرب. فقد خسر الجنيه السوداني نحو نصف قيمته تقريباً منذ بداية صيف 2026 في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، ووصل سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو 7,500 جنيه في سبتمبر، مقارنة بنحو 4,100 جنيه في مايو، وفق تقرير لرويترز. وأدى انهيار العملة إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
وتقول الأمم المتحدة إن نحو 19.5 مليون سوداني يواجهون مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما يواجه نحو 825 ألف طفل دون الخامسة خطر سوء التغذية الحاد خلال 2026. كما أجبرت الحرب نحو 9 ملايين شخص على النزوح داخل السودان.
وفي يونيو، حذرت منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي من أن السودان يظل واحداً من أخطر بؤر الجوع في العالم، مع توقع استمرار خطر المجاعة في مناطق عدة حتى مطلع 2027.
وفي الوقت نفسه، تراجعت قدرة الاستجابة الإنسانية. فقد أشار برنامج الأغذية العالمي في سبتمبر إلى أن ميزانيته المخصصة للسودان في 2026 انخفضت إلى نحو 206 ملايين دولار، مقارنة بـ645 مليون دولار في العام السابق، مع حاجة إضافية تقارب 300 مليون دولار لمواصلة العمليات.
حرب طويلة واقتصاد ينهار
المفارقة أن الأزمة الاقتصادية لا تأتي من نقص الموارد وحده، وإنما من استمرار الحرب. فالقتال دمّر البنية الإنتاجية، وأخرج مساحات زراعية من دائرة الإنتاج، وعطّل المصانع والمطاحن والمصافي وشبكات النقل، وأضعف النظام المصرفي، وضيّق حركة التجارة، واستنزف موارد الدولة في تمويل الحرب.
ومع استمرار الحرب، تصبح إجراءات مثل تقييد الاستيراد أو منع سلعة أساسية أكثر خطورة عندما لا يكون الإنتاج المحلي قادراً على سد الفجوة.
ويرى خبراء إقتصاديون أن حماية المنتج المحلي هدف اقتصادي مشروع، لكن نجاحه يحتاج إلى إنتاج فعلي، وتمويل للمزارعين، ومدخلات زراعية، ووقود، وري، ونقل وأسواق مستقرة. أما منع السلعة قبل توفير البديل، فيمكن أن يحوّل سياسة إحلال الواردات إلى أزمة غذاء إضافية.
وهنا تظهر الكلفة السياسية للحرب بوضوح.
فبدلاً من أن تكون الأولوية لإنهاء القتال وفتح الطرق والأسواق وإعادة الإنتاج الزراعي والصناعي، تستمر سلطة بورتسودان في إدارة بلد منهك تحت اقتصاد حرب. وفي هذه البيئة، يصبح المواطن الحلقة الأضعف: يدفع أكثر مقابل الخبز، ويدفع أكثر مقابل الفول، ويدفع أكثر للوصول إلى السوق، ثم يدفع مرة أخرى بسبب ارتفاع تكلفة النقل والخدمات.
الحرب التي بدأت بالرصاص وصلت إلى مائدة السودانيين. وكلما طال أمدها، زادت كلفتها.
وفي بلد يواجه فيه نحو 19.5 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فإن استمرار الحرب يعني استمرار مباشر في إنتاج الفقر والجوع وانهيار القدرة على الحياة.
والخروج من هذه الدائرة لا يبدأ بقرار جديد لمنع سلعة، وإنما بوقف الحرب التي عطلت الإنتاج والأسواق والدولة، وفتح الطريق أمام اقتصاد مدني يستطيع السودانيون من خلاله إنتاج غذائهم وتأمين معيشتهم بدلاً من تمويل حرب تستنزف ما تبقى لديهم.

زر الذهاب إلى الأعلى