الأعمدة

الخراج والعدل: لمحة في الفلسفة الضريبية للدولة العباسية

بقلم ا.د حسام راضي أحمد عبد الباقي
مدرس الاقتصاد السياسي والتشريعات الضريبية
حين خاطب أبو يوسف الخليفةَ هارون الرشيد في مستهل كتابه الخراج قائلاً إن الواجب على الإمام أن يأخذ من رعيته على قدر طاقتهم، لم يكن يُدوّن فقهاً مالياً فحسب، بل كان يُؤسّس لمبدأ العدالة الضريبية بمعناها الجوهري العميق الذي تقوم عليه كل نظرية ضريبية رشيدة في أي زمان ومكان. فالضريبة في تصوره ليست امتيازاً للسلطان يأخذه كيف يشاء ومتى يشاء، بل هي التزام مقيّد بميزان الطاقة والقدرة، لا يجوز أن يتجاوزه الإمام ولو أذعن له الرعية خشيةً أو اضطراراً، لأن الإذعان المكره لا يُولّد شرعية، والشرعية في باب المال العام لا تنبع إلا من العدل. وهذا المبدأ بعينه هو ما لن يُعيد الفقه الضريبي الألماني اكتشافه تحت مسمى القدرة التكليفية على يد فقهاء من أمثال تيبكه وكيرشهوف إلا في القرن العشرين، بعد أن تمضي قرون طويلة على رحيل صاحبه، مما يدل دلالة قاطعة على أن التفكير الضريبي الرشيد ليس حكراً على حضارة بعينها أو لغة دون أخرى، بل هو ثمرة تنضج حيثما نضج الفقه وصفت النية في خدمة العدل وانضبط العقل بضوابط الإنصاف.
وقد قام النظام الضريبي العباسي على ثلاثة أوعية كبرى شكّلت العمود الفقري للخزانة طوال عهود الدولة، وهي الخراج ضريبة الأرض الزراعية وعماد الإيراد العام، والجزية التزاماً مالياً سنوياً على أهل الذمة من غير المسلمين مقابل الحماية والإقامة في دار الإسلام، والعُشر ونصفه رسماً تجارياً على البضائع العابرة بين الأقاليم يتفاوت بحسب انتماء أصحابها. وقد تولّى الديوان العباسي إدارة هذه الأوعية بجهاز إداري متكامل ورث كثيراً من دقة التنظيم الساساني في مساحة الأراضي وتقدير المحاصيل وتصنيف المكلفين، ثم طوّره وأضفى عليه طابعاً إسلامياً في آليات الرقابة والمحاسبة وفي اشتراط الأمانة والورع فيمن يتولى جباية المال. غير أن الدولة العباسية لم تلبث في فترات ضعفها وتوسع نفقاتها أن تجاوزت هذه الأوعية المشروعة إلى مغارم وضعية ومكوس استثنائية فرضها الولاة والوزراء تحت وطأة الحاجة أو بدافع الطمع، وقد عدّها جمهور الفقهاء ظلماً صريحاً لا تسوّغه حاجة ولا تبرره ضرورة، حتى غدا هذا التوتر المتجدد بين اقتضاء الخزانة وضوابط الشريعة سمةً بنيوية في تاريخ المالية العامة الإسلامية، وهو في حقيقته التوتر الأزلي ذاته الذي لا يخلو منه نظام ضريبي في أي حضارة وفي أي عصر بين ضرورة الدولة وحرية الفرد.
وحين جاء ابن خلدون في مقدمته يُقرر بعبارات لا تحتمل اللبس أن الدولة في أطوار شيخوختها تميل إلى الإسراف في الإنفاق والمغالاة في فرض الضرائب ظناً منها أن في ذلك تعويضاً لما يتقلص من مواردها الطبيعية، وأنها بهذا السلوك لا تزيد إيراداتها بل تُخرب العمران وتُجفف منابع الثروة التي تتغذى عليها خزانتها ذاتها وتدفع أهل النشاط والإنتاج إلى الإحجام والتقاعس، كان يصوغ قانوناً اقتصادياً صارماً يقوم على أن للضريبة سقفاً طبيعياً إذا تجاوزته الدولة انقلب عليها وبالاً وأفضى في نهاية المطاف إلى انهيار الدولة ذاتها لا إلى إنقاذها. وهذا القانون الخلدوني بالذات هو ما سيُعيد الغرب إنتاجه في القرن العشرين تحت اسم منحنى لافر الذي استأثر بالأضواء في الأدبيات الاقتصادية الغربية وصار مرجعاً في السياسة الضريبية الأمريكية منذ سبعينيات القرن الماضي، دون أن يلتفت أحد من المحتفين به إلى أن ابن الحضرموت الأندلسي قد سبق إليه بخمسة قرون كاملة وأودعه في أعظم موسوعة فكرية عرفها التاريخ الإنساني. وفي هذا السبق دلالة تتجاوز مجرد الأولوية التاريخية، إذ يكشف أن الحضارة الإسلامية حين بلغت ذروتها لم تكن مستهلِكة للمعرفة الإنسانية بل كانت منتجةً لها ورائدةً في أعمق أسئلتها.

زر الذهاب إلى الأعلى