الأعمدة

راتب لا يكفي للخبز .. إلى متى يصمت وجع الموظف؟

بقلم:مجتبى ميرغني
بح صوتنا في الحديث عن ضعف راتب الموظف الحكومي، وبح صوت العاملين وهم يطالبون بأن يكون للأجر معنى في مواجهة هذا الغلاء المتصاعد، لكن يبدو أن الجهات المسؤولة لا تزال تتعامل مع المسألة وكأنها قضية مؤجلة، رغم أن آثارها أصبحت تمس حياة الموظف وأسرته بصورة مباشرة.
راتب العامل اليوم، وفق ما يردده المواطنون في الأسواق، لا يكاد يساوي قيمة الاحتياجات الأساسية. فإذا كانت قطعة الخبز قد وصلت إلى 500 جنيه، فإن راتباً يعادل قيمة نحو 60 قطعة خبز فقط يصبح عاجزاً حتى عن تأمين أبسط متطلبات المعيشة. والسؤال هنا ليس عن الرفاهية، وإنما عن الحد الأدنى من القدرة على الحياة.
فهل يعقل يا وزير المالية أن يعمل الموظف شهراً كاملاً ثم يجد أن راتبه لا يكفي لتأمين احتياجات أسرته الأساسية؟ وهل يمكن أن نطلب من الموظف أن يحافظ على استقرار المؤسسة وجودة الخدمة العامة، بينما دخله فقد قدرته على مواكبة الأسعار؟

المشكلة ليست في ارتفاع سعر سلعة واحدة، وإنما في الفجوة المتسعة بين الأجور وتكلفة المعيشة. التضخم في السودان لم يعد رقماً في تقرير اقتصادي؛ أصبح واقعاً يعيشه المواطن كل صباح في المخبز، والسوق، ووسائل المواصلات، والصيدلية، ومصاريف المدارس.

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن متوسط التضخم في السودان خلال 2026 يبلغ نحو 75.1%، وهو مستوى يعكس حجم الضغط الواقع على القوة الشرائية للجنيه. كما تؤكد بيانات البنك الدولي أن الاقتصاد السوداني لا يزال تحت ضغط شديد نتيجة الحرب وتراجع الإنتاج وتعطل قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على مستويات المعيشة.
وفي مثل هذا الوضع، فإن بقاء الأجور دون مراجعة دورية يعني عملياً خفض قيمتها الحقيقية، حتى لو ظل الرقم المكتوب في كشف المرتب كما هو. فالراتب لا تُقاس قيمته بعدد الأرقام المطبوعة في شهادة المرتب، وإنما بما يستطيع صاحبه شراءه بهذه الأرقام.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: قد يحصل الموظف على راتبه في موعده، لكنه لا يحصل بالضرورة على قيمته. فالانتظام في صرف الأجر مهم، لكنه لا يكفي إذا كان التضخم قد التهم الجزء الأكبر من القوة الشرائية لذلك الأجر.
والأمر لا يتعلق بالموظفين وحدهم. فضعف دخول العاملين ينعكس على السوق كله؛ لأن الموظف عندما يفقد قدرته الشرائية يقل استهلاكه، وتتراجع حركة الأسواق، وتزداد الأسر اعتماداً على الديون والمساعدات والعمل الإضافي، بينما يصبح الموظف أمام خيار صعب بين وظيفته الرسمية ومصدر دخل آخر يعينه على البقاء.
وقد أظهرت بيانات برنامج الأغذية العالمي أن تكلفة سلة الغذاء المحلية في السودان ارتفعت بنسبة 5.9% خلال فبراير 2026 مقارنة بالشهر السابق، في وقت تراجع فيه متوسط أجور العمالة اليومية بنسبة 17.9%، وهي صورة واضحة للفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
والأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع قد يدفع بالكفاءات إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، ويضعف الحافز على الاستمرار في الوظيفة العامة، خصوصاً عندما يصبح الراتب أقل بكثير من متطلبات الحياة اليومية.
نحن لا نقول إن الدولة تملك عصا سحرية تستطيع بها إنهاء التضخم بين ليلة وضحاها، وندرك تماماً أن الحرب أضعفت الإيرادات ودمرت قطاعات الإنتاج وأربكت الأسواق وسلاسل الإمداد. لكن إدراك صعوبة الظروف الاقتصادية لا يعني أن ملف الأجور يمكن أن يبقى خارج دائرة المعالجة.
المطلوب هو رؤية واضحة: مراجعة الأجور بصورة دورية، وربطها بمؤشرات تكلفة المعيشة والتضخم قدر الإمكان، والعمل على تخفيف الأعباء عن العاملين، ومعالجة المتأخرات، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تضرراً.
فالراتب ليس منحة من الحكومة للموظف، وإنما هو مقابل عمل يؤديه الموظف للدولة والمجتمع. ومن حق العامل أن يسأل: إذا كانت الأسعار تتغير كل يوم، فلماذا يظل راتبي ثابتاً وكأن السودان يعيش في ظروف اقتصادية مختلفة؟
يا وزارة المالية، المسألة لم تعد مجرد مطلب نقابي أو شكوى موظفين؛ إنها قضية استقرار اجتماعي واقتصادي. الموظف الذي لا يستطيع أن يوفر لأسرته الطعام والمواصلات والدواء، كيف نطالبه بأن يعيش مطمئناً وأن يؤدي عمله بالكفاءة المطلوبة؟
والله إن هذه المعاناة ستُسأل عنها الجهات المسؤولة، وليس ذلك ببعيد. والتاريخ لا يحاسب المسؤول فقط على القرارات التي اتخذها، وإنما أيضاً على الأزمات التي عرفها وكان يستطيع أن يتعامل معها ولم يفعل.
لذلك فإن صوت الموظف اليوم ليس رفاهية، وليس مطالبة بامتيازات؛ إنه سؤال بسيط ومشروع: كيف يعيش من يعمل إذا كان راتبه لا يواكب أبسط ضروريات الحياة؟
السودان يحتاج إلى اقتصاد يتعافى، نعم، ويحتاج إلى إنتاج واستقرار وإصلاح مالي ونقدي، لكن التعافي الحقيقي لا يمكن أن يكون على حساب العامل وحده. إعادة بناء الدولة تعني أيضاً إعادة بناء القدرة الشرائية للمواطن، وحماية قيمة العمل، وإعادة الأمل إلى الموظف الذي ظل يؤدي واجبه رغم كل الظروف.
فإذا كان الموظف هو أحد أعمدة الدولة، فإن حماية أجره وحفظ كرامته يجب أن تكون جزءاً من حماية الدولة نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى