الأخبار

شكوى في كمبالا ضد منظمة الدعوة الإسلامية… أين ذهبت أموال ألفي يتيم؟

قدّم إسماعيل مصطفى، مدير جمعية اليتيم في أوغندا، شكوى أمام المحكمة العليا الأوغندية، وهي أعلى سلطة قضائية والهيئة القضائية النهائية في جمهورية أوغندا، ضد عمر الجاز، مدير مكتب منظمة الدعوة الإسلامية في أوغندا. وتتهمه الشكوى، صراحةً، بتجاوزات مالية تزيد قيمتها على مليون دولار أمريكي، في أموال خُصصت لكفالة الأيتام وسداد رسومهم الدراسية. وتعود جذور القضية إلى مذكرة تفاهم وقّعتها الجمعية مع مكتب المنظمة في عهد مديرها السابق جلال وهبي. ونصّت المذكرة على كفالة أكثر من ألفي طالب يتيم في المدارس الأوغندية، وسداد رسومهم بالتنسيق مع إدارات المدارس والمنظمة. وبحسب مصطفى، تراجع المكتب عن التزاماته بعد تولي عمر الجاز إدارة المنظمة، فتأخرت الرسوم، وواجه عدد من الأيتام المكفولين ظروفًا دراسية قاسية بسبب عدم السداد في مواعيده.
وتقوم القضية على مسار مالي يتمثل في أموال قطرية مخصصة لأيتام أوغنديين، تمر عبر الخرطوم قبل أن يصل جزء منها إلى كمبالا، تحت إدارة منظمة الدعوة الإسلامية التي تقف خلفها الحركة الإسلامية.
وتأسست المنظمة عام 1980 ومقرها الخرطوم، ودشنت عملها في قطر منذ 1987، ويعتبر مكتب قطر أكبر مكاتبها في الخارج. وفي عام 2020 أصدرت لجنة إزالة التمكين قرارًا بحل المنظمة وإلغاء تسجيلها وحجز أموالها داخل السودان وخارجه لصالح الدولة. واتهمتها اللجنة بأنها كانت معقلًا لنظام البشير منذ أول يوم، إذ أُعدّ بيان انقلاب 30 يونيو 1989 داخل مقرها بالخرطوم.
مسار القضية
لجأ مدير الجمعية أولًا إلى الشرطة الأوغندية للوساطة وتسوية مستحقات الطلاب. وحين لم يستجب الجاز لجهود الوساطة، انتقل الملف إلى المحكمة العليا، فأصدرت قرارًا بإغلاق حساب المنظمة في كمبالا. وألزمت المحكمة الجاز لاحقًا بتوقيع مذكرة تفاهم جديدة مع الجمعية تتضمن التزامًا بسداد رسوم الطلاب.
وتجدر الإشارة إلى أن دائرة القضية اتسعت بعد ذلك بصورة لافتة، فقد أبلغ مصطفى الحكومة القطرية بالتطورات عبر السفير القطري في نيروبي آنذاك، وتدخلت الحكومة الأوغندية بسبب تداعيات عدم سداد الرسوم.
يقول مدير جمعية اليتيم إن قطر أرسلت عبر مكتب المنظمة في الدوحة أموالًا مخصصة لرسوم الطلاب. ولم تذهب الأموال مباشرة إلى أوغندا، فقد حُوّلت أولًا إلى الخرطوم، وأُرسل جزء منها فقط إلى كمبالا. وبحسب إفادته، لم تُسدَّد الرسوم كاملة حتى اليوم، ويستمر الأيتام في دفع ثمن ذلك.
ما هي وضعية المنظمة في أوغندا؟
لا بد من الإشارة إلى أن منظمة الدعوة الإسلامية تحمل في أوغندا صفة قانونية ومؤسسية كاملة. فهي تظهر في سجل المنظمات غير الحكومية الأوغندي منظمةً دولية تعمل في التنمية الاجتماعية، بصيغتين للاسم هما Munazzamat Al Dawa Al Islamiyya وMunnazamat Al-Dawa Al-Islamiya (U) Mission. وأدرجتها هيئة الإيرادات الأوغندية في وثيقة رسمية بالرقم الضريبي 1000619479.
ومن الجدير بالذكر أن التقارير الأوغندية توثق حضور جلال وهبي مديرًا للمنظمة منذ سنوات طويلة. ففي أكتوبر 2016 نشرت شبكة الإذاعة الأوغندية تقريرًا عن منح دراسية لـ 56 طالبًا أوغنديًا، ذكرت فيه وهبي مديرًا للمنظمة، وقالت إن قائمة الطلاب صدرت عبره. وتضم هيكلة المنظمة، بحسب موسوعة الجزيرة، أقسامًا تنفيذية في مكتبها بقطر من بينها قسم الأيتام والكفالات وقسم الحسابات. ومن نافلة القول أن أموال الأيتام تمر داخل منظومة لها إدارة مالية متخصصة، وأن كل مرحلة فيها تخضع لقيد محاسبي، يشمل المانح، فمكتب المنظمة، فالحساب البنكي، فالجمعية، فالمدرسة، فالطالب.
مسار الأموال
يتبع مسار الأموال من الدوحة إلى الخرطوم فكمبالا سلسلة من الأشخاص، تمسك كل حلقة فيها بمفتاح محطة من محطاته. وتجدر الإشارة إلى أن تحديد هذه الأسماء يكشف من تقع عليهم مسؤولية الإجابة عن كل سؤال مالي في الملف.
ظهر الجاز في أوغندا خلال 2026 في مواقع قيادية متكررة. ففي أبريل ظهر مديرًا لإقليم شرق أفريقيا في المنظمة أثناء توزيع مساعدات قطرية على اللاجئين السودانيين. وفي مايو ظهر مديرًا للمنظمة خلال مشروع مساعدات قطرية استهدف 500 أسرة سودانية لاجئة، بحضور السفير القطري لدى أوغندا أحمد الزويدي ومسؤولين أوغنديين، ووُصفت المنظمة بأنها الجهة المنفذة للمشروع. وبذلك يتولى الجاز إدارة تمويل قطري يصل إلى أوغندا عبر المنظمة، وكان في هذا الموقع قبل أشهر من ظهور شكوى الأيتام.
أما في الدوحة، حيث التمويل والسلطة العليا، فتخرج الأموال عبر مكتب المنظمة هناك، ويرأس مجلس الأمناء، صاحب القرار الأعلى في المنظمة، وهو شخصية قطرية في الحالتين. فقد أعفى المجلس الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله آل محمود وانتخب السفير علي بن حسن الحمادي من قطر رئيسًا جديدًا له. وآل محمود قطري الجنسية، وقد صدر قرار قضائي بإيقاف إقالته، كما ظهر رسميًا في كمبالا في مايو معلنًا بطلان إجراءات إقالته، وتمتد ولايته بحسب الفريق القانوني للمنظمة حتى عام 2028. أما الحمادي، السفير القطري السابق لدى السودان، فوصل إلى الخرطوم في التاسع من مايو واستقبله الأمين العام أحمد محمد آدم، وأعلن مباشرة مهامه من العاصمة السودانية. ويحدد من يملك الصفة القانونية في هذا الموقع من يملك سلطة الإشراف على مكتب أوغندا وحساباته.
ماذا يحدث في الخرطوم؟
وفي الخرطوم والرنك، نجد أن الأموال تتوقف هنا في المحطة الثانية من مسارها، ويتنازع على الأمانة العامة اسمان. انتهت دورة أحمد محمد آدم في 15 فبراير 2026 بحسب مجلس الأمناء، ولم يستجب لخطاب رئيس المجلس الداعي إلى ترتيب تسليم المهام، وهو يدير نشاط المنظمة من الخرطوم ويعتبر نفسه أمينًا عامًا. وقد قال أحد المفصولين من المنظمة إن أكثر من 320 موظفًا أُنهيت خدماتهم دون تسوية أوضاعهم، واتهم أحمد آدم بعدم الإنصاف في التعامل مع العاملين منذ اندلاع الحرب. وفي المقابل انتُخب يحيى آدم عثمان أمينًا عامًا بالإجماع للدورة 2026–2030، وباشر مهامه من مدينة الرنك في جنوب السودان، قائلًا إنه تعرض لتضييق شديد داخل السودان ومُنع من ممارسة صلاحياته، وإن مجموعة الأمين العام السابق لا تزال تسيطر على مقر الأمانة العامة في الخرطوم. وأضاف أن إدارته تسيطر على أكثر من 95% من البعثات الخارجية، وأن أوغندا يمكن أن تكون إحدى القواعد التي تستضيف أعمال الأمانة العامة إذا تعذر العمل من الخرطوم. وأكد كذلك أن أصول المنظمة عادت إلى إدارته وأن العمل جارٍ لحصر الشركات التابعة لها. ويضع هذا التصريح مكتب أوغندا في قلب الصراع، فكل من الأمينين العامين يطالب بمفاتيح البعثات الخارجية التي يقع مكتب كمبالا بينها.
منظمة منقسمة على نفسها
بعد أن انتقلت المنظمة إلى أوغندا، انفجرت في العام الحالي خلافات داخل قيادتها، بحسب تقارير سودانية مستقلة، ووصل النزاع إلى القضاء حول مجلس الأمناء والأمين العام وصاحب سلطة إدارة المنظمة. وانعقد اجتماع موازٍ في الأول من مايو انتخب الحمادي وجدد للأمين العام السابق. وفي الثالث من مايو أعفى مجلس الأمناء في اجتماع طارئ الأمين العام أحمد محمد آدم وانتخب يحيى آدم عثمان. وفي مايو ظهر رئيس مجلس الأمناء السابق في كمبالا معلنًا اعتراضه على إقالته. ثم أعلن يحيى آدم عثمان في السابع من يونيو مباشرة مهامه من جنوب السودان، فيما يدير أحمد محمد آدم نشاط المنظمة من الخرطوم بوصفه أمينًا عامًا أيضًا.
وفي 26 و27 يونيو عقد الحمادي لقاءات رسمية في أوغندا مع قيادة المجلس الأعلى الإسلامي الأوغندي. وكانت المنظمة قد أعلنت في مايو خسائر بنحو 71 مليون دولار نتيجة مصادرة أصول سابقة ودمار ونهب مرتبط بالحرب. وقال أمينها العام آنذاك إن الحرب أجبرتها على نقل عملياتها مؤقتًا إلى أوغندا.
وتتزايد الشكوك مع كل تقرير جديد حول عمق الفساد في منظمة الدعوة الإسلامية. فقد اجتمعت في عام واحد شكوى مالية أمام القضاء، ونزاع على القيادة وصل إلى المحاكم، وأمينان عامان يتنازعان الشرعية من عاصمتين، وموظفون يشكون من فصل تعسفي، وتحويلات تمر عبر ثلاث عواصم ولا تبلغ مستحقيها.

زر الذهاب إلى الأعلى