الأعمدة

رجوعاً إلى دراسة الباحث حامد درار: الكول لحم الفقراء ما بين العشاق والرافضين

بقلم/ إيهاب الأمين

الكول نعرفه جميعاً طعام تقليدي مميز جداً في السودان وخصوصاً في غرب السودان ودارفور وكردفان وقد عرفت به مجتمعات سودانية منذ زمن طويل كما انتشر استعماله في مناطق من تشاد المجاورة ويستخدم الكول كإدام أساسي (ملاح) وأحياناً يضاف إلى الإدام بكميات صغيرة كنوع من البهار أو المنكه القوي تماماً بمثلما نستخدم الشطة أو بعض التوابل وتؤكد الدراسات العلمية أن الكول منتج غذائي مخمر له قيمة غذائية مهمة وقد استخدم تقليدياً كبديل للحوم أو كمكمل لها.
النبات الذي يصنع منه الكول يعرف علمياً باسم Senna obtusifolia وكان يعرف في التصنيف القديم باسم Cassia obtusifolia وهو من الفصيلة البقولية وهو نبات بري عشبي حولي له أوراق مركبة وينمو بصورة طبيعية في مناطق عديدة من إفريقيا ويظهر بصورة واضحة خلال موسم الأمطار وتستخدم أوراقه في صناعة الكول بينما لا يكون النبات في حالته الطبيعية صالحاً للأكل بالطريقة التي تؤكل بها الخضروات المعتادة ولذلك فإن المعالجة والتخمير التقليديين يمثلان جزءاً اساسياً من تحويل الأوراق إلى منتج غذائي مقبول وهنا توجد نقطة مهمة فالكول الذي يؤكل ليس ببساطة الأوراق الخضراء الطازجة وإنما هو منتج غذائي ينتج من تخمير أوراق النبات ثم تجفيفها وتبدأ العملية التقليدية بجمع الأوراق وتنظيفها من السيقان والأجزاء غير المرغوبة ثم تدق الأوراق حتى تتحول إلى عجينة متماسكة وتوضع هذه العجينة في إناء فخاري (زير) ويدفن الزير في الأرض حتى عنقه في مكان مظلل وبارد نسبياً وتغطى عجينة الأوراق عادة بأوراق خضراء من الذرة الرفيعة ثم يغلق الإناء بإحكام وبعد ذلك يفتح الإناء على فترات تقارب ثلاثة أيام في الطريقة التقليدية وتزال الأوراق الموجودة على السطح ثم تعاد العجينة إلى الخلط باليد جيداً قبل إعادة تغطيتها وإغلاق الإناء من جديد.
تستمر عملية التخمير عادة نحو أسبوعين وتذكر بعض الدراسات أن المدة قد تمتد في بعض طرق الإنتاج إلى ما بين 14 و30 يوماً تبعاً للمنطقة وطريقة التحضير وبعد اكتمال التخمير تخرج كتلة داكنة قوية الرائحة وتشكل في صورة كرات أو قطع صغيرة ثم تجفف في الشمس عدة أيام حتى تصبح قابلة للحفظ والاستعمال لفترات طويلة وتعد هذه العملية في حد ذاتها طريقة تقليدية فعالة لحفظ الغذاء لأن المنتج المجفف يستطيع البقاء لفترة طويلة دون أن يتلف في الظروف المناسبة والتخمير هنا ليس مجرد ترك الأوراق حتى تتغير رائحتها بل هو عملية حيوية وكيميائية معقدة تشترك فيها كائنات دقيقة مختلفة وقد وجدت الدراسات أن بكتيريا Bacillus subtilis وPropionibacterium من أهم الكائنات المرتبطة بتخمير الكول كما عزلت أنواع أخرى من البكتيريا والخمائر خلال العملية ومنها Lactobacillus plantarum وقد وجدت دراسات أخرى فطريات من جنس Rhizopus في الكول المخمر والمجفف وتختلف المجتمعات الميكروبية تبعاً للظروف وطريقة الإنتاج لأن التخمير التقليدي عملية طبيعية غير مضبوطة بصورة صناعية وخلال التخمير تحدث تغيرات كيميائية مهمة في مكونات الأوراق إذ تقوم الكائنات الدقيقة بتفكيك وتحويل عدد من المركبات الموجودة في المادة النباتية وتنتج أحماضاً عضوية ومركبات متطايرة وكحولات وغيرها من نواتج التخمير وقد أظهرت الدراسات أن الأحماض الدهنية المتطايرة وعلى رأسها حمض البيوتيريك وحمض الخليك تمثل جزءاً مهماً من نواتج التخمير مع وجود حمض البروبيونيك وحمض الأيزوبيوتيريك أيضاً كما تتكون مركبات أخرى مثل بعض الكحولات ومن بينها البروبانول والبيوتانول ثم تختفي نسبة كبيرة منها أثناء مرحلة التجفيف وهذه التغيرات الكيميائية هي أحد الأسباب الرئيسية للرائحة القوية والمميزة للكول فعملية التخمير تنتج مركبات متطايرة ذات روائح شديدة ومن بينها الأحماض الدهنية والمركبات الفينولية وغيرها وقد حددت إحدى الدراسات مركبات عديدة في المستخلص الكيميائي للكول المخمر وكان من أبرزها حمض الهكسانويك وحمض البيوتيريك وحمض الفاليريك إلى جانب مركبات فينولية مثل بارا إيثيل فينول وبارا ميثيل فينول ولذلك فإن الرائحة النفاذة التي قد تبدو غريبة لمن لم يعتد على الكول ليست مجرد رائحة فساد بل هي جزء من البصمة الحسية التي تنتج عن عملية التخمير نفسها وقد يبدو الكول في البداية كأنه نبات بري قليل القيمة لكن التخمير يغير خصائصه الغذائية والحسية بصورة واضحة وتشير الدراسات إلى أن الكول المجفف يحتوي على نسبة معتبرة من البروتين وقد سجلت إحدى الدراسات القديمة متوسطا يقارب 26.2 بالمئة من البروتين الخام في الكول المجفف بينما سجلت دراسات أخرى نسبا تراوحت في بعض العينات بين نحو 24 و30 بالمئة وتختلف هذه النسب باختلاف المنطقة وطريقة التصنيع ومرحلة التحليل ويتميز الكول أيضا باحتوائه على مجموعة من المعادن ومن بينها الكالسيوم والبوتاسيوم والمغنيسيوم والحديد والفوسفور والزنك كما تشير دراسات حديثة إلى أن التخمير يمكن أن يزيد من قابلية بعض هذه المعادن للاستفادة منها في الجسم وقد أشارت مراجعات علمية إلى حدوث زيادات ملحوظة في محتوى بعض المعادن بعد التخمير منها الكالسيوم والمغنيسيوم والحديد وإن كانت القيم تختلف باختلاف المادة الخام وطريقة التخمير.
ومن الفوائد الغذائية المهمة للكول أيضاً أنه يوفر البروتين النباتي في غذاء يعتمد تقليدياً في كثير من المناطق على الحبوب وهذه نقطة مهمة للغاية لأن الجمع بين الكول والحبوب يمكن أن يجعل الوجبة أكثر توازناً من الناحية الغذائية خصوصاً في البيئات التي يكون فيها الحصول على اللحوم بصورة منتظمة صعباً أو مكلفاً وتحتوي بروتينات الكول على مجموعة من الأحماض الأمينية الأساسية وإن كانت جودة البروتين ليست مساوية تماماً لجودة البروتين الموجود في اللحوم أو بعض المصادر الحيوانية وقد بينت الدراسات أن الليسين يمثل أحد الأحماض الأمينية المحددة لقيمة بروتين الكول كما أن بعض الأحماض الأمينية الكبريتية قد تكون محدودة في بعض العينات وهنا تظهر أهمية وصف الكول بأنه بديل للحوم وهو وصف موجود بالفعل في الأدبيات العلمية لكنه يحتاج إلى شيء من الدقة فالكول يمكن أن يكون بديلاً نباتياً مهماً للحوم من ناحية توفير البروتين وبعض المعادن والمساهمة في الشبع وإثراء الإدام وقد استخدم تاريخياً بهذه الصورة لدى بعض المجتمعات السودانية كما يستخدم أحياناً بكميات كبيرة باعتباره بديلاً للحوم أو مكملا لها لكنه لا يعني أنه يعادل اللحوم غذائياً في جميع العناصر ولا سيما من حيث جودة البروتين وتنوع الأحماض الأمينية وبعض المغذيات الموجودة في المنتجات الحيوانية لذلك فإن الأدق وصفه بأنه بديل أو مكمل نباتي للحوم وليس بديلاً كاملا؟ عنها من الناحية الغذائية.
ويستخدم الكول بطريقتين رئيسيتين في المطبخ فعندما يستخدم بكميات كبيرة يصبح جزءاً أساسياً من الإدام ويمنحه قواماً ونكهة مميزة وقد استخدم تقليدياً كبديل للحوم أو كمكمل لها وعندما يستخدم بكميات صغيرة فإنه يعمل مثل البهار فيضاف إلى الإدام لإعطائه نكهة قوية ومذاقاً أقرب إلى النكهة اللحمية وقد وصفت الدراسات الكول بأنه يمنح الصلصة مذاقاً شهياً وشبيها باللحم وهو ما يفسر استعماله في بعض المناطق كمنكه حتى لدى أشخاص لا يعتمدون عليه كغذاء رئيسي ولا تقتصر أهمية التخمير على تحسين الطعم والرائحة بل يبدو أنه يساعد أيضاً في تقليل بعض المركبات التي تعرف بالعوامل المضادة للتغذية وهي مواد نباتية يمكن أن تقلل من الاستفادة من بعض العناصر الغذائية وقد وجدت الدراسات انخفاضاً في مركبات مثل الفيتات وبعض البوليفينولات والتانينات أثناء المعالجة والتخمير والطبخ كما يمكن أن يؤدي ذلك إلى تحسين إتاحة بعض المعادن وزيادة الاستفادة من بعض العناصر الغذائية وفي مراجعة حديثة قدرت الانخفاضات بعد التخمير في بعض المركبات بنحو 20 بالمئة للبوليفينولات و6 بالمئة للتانينات و47 بالمئة لحمض الفيتيك مع اختلاف النتائج حسب طريقة التصنيع والعينة وتشير بعض الدراسات كذلك إلى أن التخمير يمكن أن يؤثر في قابلية هضم البروتين لكن النتائج ليست متطابقة في جميع العينات ففي إحدى الدراسات زادت قابلية هضم البروتين بعد الطبخ في إحدى العينات بينما انخفضت في عينة أخرى وهو ما يؤكد أن القيمة الغذائية للكول تتأثر بدرجة كبيرة بمصدر الأوراق وطريقة التخمير والتجفيف والطبخ ومع هذه الفوائد توجد جوانب تستحق الحذر فالنبات الخام نفسه وصف في المصادر العلمية بأنه غير مستساغ بل وقد يكون ساماً في حالته الطبيعية ولذلك لا ينبغي التعامل مع أوراق النبات الطازجة على أنها خضروات عادية تؤكل من دون معالجة والتخمير التقليدي هو جزء أساسي من تحويل المادة الخام إلى منتج غذائي مأكول ولا يصح اعتبار مجرد تخمير أي أوراق شبيهة بالنبات كافياً لجعلها آمنة كما أن التخمير التقليدي للكول عملية طبيعية وغير مضبوطة صناعياً وتختلف ممارساته من منطقة منتجة إلى أخرى ولذلك يمكن أن تختلف جودة المنتج النهائي وتركيبه الغذائي وسلامته بحسب النظافة والظروف ومدة التخمير والتجفيف والتخزين ولهذا فإن الكول المنتج بطريقة تقليدية سليمة يختلف عن محاولة تخمير النبات في ظروف منزلية غير معروفة أو باستخدام نبات تم التعرف عليه اعتماداً على الشكل فقط وتوجد أيضاً بعض النتائج التجريبية التي تستحق الذكر عند الحديث عن أضرار الكول المحتملة فقد أظهرت بعض الدراسات التي أجريت على حيوانات التجارب مثل الجرذان البيضاء والدجاج مؤشرات على السمية تمثلت في ارتفاع بعض إنزيمات الكبد وتغيرات نسيجية في الكبد والكلى كما تشير المراجعات الحديثة إلى أن التخمير يحسن القيمة الغذائية لكنه لا يزيل جميع المركبات الثانوية أو العوامل المضادة للتغذية الموجودة في الأوراق بصورة كاملة وهذه النتائج لا تعني تلقائياً أن الكول الغذائي التقليدي سام للإنسان لكنها تعني أن سلامته ليست مسألة يمكن تجاهلها وأن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات البشرية المنظمة لتحديد الجرعات الآمنة وتأثير الاستهلاك الطويل المدى.
ومن المثير للاهتمام أن الدراسات الميكروبيولوجية للكول كشفت عن وجود بكتيريا قد تمتلك خصائص مفيدة وخصوصاً بعض أنواع Bacillus وLactobacillus وقد درست بعض سلالات Bacillus المعزولة من الكول لقدرتها على إنتاج مركبات ذات نشاط مضاد لبعض الكائنات الدقيقة لكن وجود هذه الكائنات أثناء التخمير لا يعني تلقائيا أن الكول يعد غذاء بروبيوتيك مثبت الفائدة للإنسان فإثبات الفائدة الصحية يحتاج إلى دراسات سريرية محددة وليس مجرد عزل بكتيريا مفيدة محتملة من الغذاء
ومن الناحية التاريخية والغذائية يمثل الكول نموذجاً رائعاً لكيفية استفادة المجتمعات المحلية من نبات بري قد لا يكون صالحاً للأكل في صورته الطبيعية ثم تحويله بواسطة التخمير إلى غذاء محفوظ وغني نسبياً بالبروتين وله نكهة قوية ومميزة فالتخمير هنا يجمع بين الحفظ وتغيير الطعم والرائحة وتحسين بعض الجوانب الغذائية وتقليل بعض المركبات غير المرغوبة ثم يأتي التجفيف ليجعل المنتج قابلاً للتخزين والاستعمال عند الحاجة ولهذا كان الكول مناسباً بصورة خاصة للظروف المناخية والاجتماعية في مناطق غرب السودان حيث يمكن الاحتفاظ به واستخدامه عند إعداد الوجبات.
لكل هذا فإن الكول السوداني ليس مجرد إدام شعبي أو بهار ذي رائحة قوية وإنما هو نتاج معرفة غذائية تقليدية متراكمة تقوم على اختيار الأوراق وسحقها وتخميرها في بيئة مغلقة نسبياً ثم تجفيفها وحفظها وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن هذه العملية تحدث فيها تغيرات ميكروبية وكيميائية حقيقية تؤثر في البروتين والمعادن والألياف والكربوهيدرات والمركبات المضادة للتغذية والمركبات المسؤولة عن النكهة والرائحة كما تؤكد الدراسات أن الكول يمكن أن يؤدي دوراً مهماً كمصدر للبروتين النباتي وكبديل أو مكمل للحوم خصوصاً عندما يؤكل مع الحبوب لكنه لا ينبغي اعتباره بديلاً غذائياً كاملاً للحوم في كل العناصر وفي الوقت نفسه فإن الحديث عن فوائده يجب أن يرافقه الحديث عن ضرورة المعالجة الصحيحة لأن النبات الخام ليس آمناً بالضرورة ولأن التخمير التقليدي غير المضبوط قد يؤدي إلى اختلافات كبيرة في المنتج النهائي ويظل الكول واحداً من الأمثلة اللافتة على ثراء المطبخ السوداني بالمعارف الغذائية التقليدية وعلى قدرة المجتمعات المحلية على تحويل الموارد النباتية المتاحة في البيئة إلى أغذية ذات قيمة غذائية واستخدامات متعددة فما يستخدمه البعض كإدام ويستخدمه آخرون كبهار بكميات قليلة هو في الحقيقة غذاء مخمر يحمل وراء رائحته القوية وطعمه المميز قصة طويلة من المعرفة المحلية المتعلقة بالتخمير والحفظ والتغذية.

زر الذهاب إلى الأعلى