الأعمدة

مناوي على خطى حميدتي.. تمرد جديد أم ذعر من البديل؟!

✍️ ودالسيال
مصدة أولى (كسر الصمت)
عجيبٌ أمر هذا السيرك السياسي؛ أن يطل علينا مني أركو مناوي متدثراً بثوب “الناصح الأمين” ليعطي الشارع دروساً في خطورة المليشيات على الدولة! لو كان في الخرطوم قائدٌ يملك زمام القوة ويعرف معنى الدولة، لما تجرأ مناوي على هذا اللسان. لكن الرجل يقرأ الواقع جيداً، ويعلم أن سدة الحكم شريعة بلا راعٍ، وأن القيادة العسكرية العاجزة عن حسم الموقف أورثت للجميع تطاول الألسن وهوان الهيبة.
مصدة ثانية (تعرية الموقف)
هذه “الصحوة المباغتة” لمناوي وتصريحاته ضد تمويل القوات الموازية ليست موقفاً مبدئياً ولا غيرة على المال العام، بل هي مجرد فزع طفولي وردة فعل مذعورة بعد إبراز قوات “درع السودان” و”درع الشمال” وتجهيزها في الساحة. أدرك الرجل أن كعكة الميزانيات والتسليح التي يغرف منها ستُقسم الآن على أفواه جديدة! إن كنت صادقاً في حرصك على المؤسسية يا مناوي، فالطريق لا يحتاج خُطباً: ضع سلاح حركتك وحركة جبريل عند بوابة القوات المسلحة، ثم تعال وحدثنا عن الدولة والنظام!
مصدة ثالثة (تفكيك الأكذوبة)
الوهم الأكبر هو محاولة إلباس القوات المشتركة زي الجيش الوطني؛ هي في صلبها بنية قبلية مغلقة (تسيطر عليها إثنية محددة)، وتتحرك ببوصلة مكاسبها الحزبية والمناطقية. الفرق الوحيد بينها وبين “الجنجويد” ليس في العقيدة ولا في التركيبة، بل في أنها ترفع علم المساندة للجيش مؤقتاً لحماية امتيازاتها، بينما تُسحب فاتورة أكلها وسلاحها وتدريبها سحباً من جيب هذا الشعب المسحوق… والعاقل يفهم!
مصدة رابعة (الذاكرة المفقودة)
حين تستمع لغضب مناوي تظن أنك أمام خريج أكاديمية ناصر العسكرية أو قائد حامية خاض المعارك التاريخية، وتتغافل عينك عن حقيقة أن هذه القوات ظلت تربض في مساحة “الحياد” وتتفرج على محنة البلاد حتى وصلت الحريق إلى أطراف ثيابها. ينسى البعض أصولهم عندما تطول بهم أوقات الشاشات، لكن الحقيقة الثابتة أن الطبائع لا تتغير بالألقاب، والمليشيا تبقى مليشيا ولو لبست نياشين العالم.
مصدة خامسة (استخدام الأدوات)
ظن مناوي أنه لاعب رئيسي في الرقعة، بينما الحقيقة أنه مجرد أداة مرحلية استخدمتها كوادِر الحركة الإسلامية للوصول إلى غاياتها. حاربوا به، واستنزفوا قوته، حتى تركوه بلا دار ولا أرض، ومصيره معلقٌ بالكامل بين يديهم. واليوم، يُعاد استخدامه كواجهة لتصفية الحسابات السياسية وتمرير الرسائل بين حلفاء الأمس الذين يتهشم حلفهم تحت الضغط
مصدة سادسة (سقوط الأقنعة)
هل بدأ مناوي مرحلة الانعطاف ونفض اليد على طريقة حميدتي؟ التزامن بين هذه التصريحات ولقاءاته الأخيرة في نيويورك يطرح علامات استفهام داكنة. حميدتي نفسه كان صناعة خالية من الشوائب ومكوناً أساسياً في انقلاب 25 أكتوبر، وحين شعر بأن المطبخ السياسي للإسلاميين يعد خطة تجريده واستبداله، انقلب على طاولة الشركاء واستدعى شعارات “الديمقراطية والعودة للثكنات” لتشتعل حرب 15 أبريل. اليوم، يقف مناوي على ذات الحافة لحماية مقاطعته ونفوذه من أي بديل صاعد.
مصدة سابعة (عقيدة التفريخ)
المأساة التي تجرف البلاد ليست في شخاص القادة، بل في عقيدة النظام الحاكم القائمة على “تفريخ المليشيات”. الحركة الإسلامية لم تخض هذه الحرب لبناء جيش موحد، بل للتخلص من بندقية عصت أوامرها واستبدالها بنسخ جديدة أكثر طاعة وأقل كلفة سياسية. وهنا يبرز السؤال الذي يهرب منه الجميع: كيف ستتعامل السلطة مع تحول مناوي؟ بالاحتواء والرشاوى السياسية، أم بتفكيك قوته، أم باستدراج مليشيا جديدة تلتهمه وتنهي وجوده؟
مصدة أخيرة (بلا مساحيق)
طالما أن إستراتيجية الحكم في السودان تعتمد على القوات الموازية والكتائب البديلة بدلاً من المؤسسة العسكرية الوطنية الواحدة والجامعة، فلن يرى هذا البلد عافية. ستتغير الأسماء، وسيتناوب القادة على منصات التصريح، وتُباع القضايا في سوق النخاسة السياسي، وتبقى المحرقة سودانية… والكارثة هي الكارثة!

زر الذهاب إلى الأعلى