
(موطئ قلم)

محمد عبد الله برقاوي..
على مدى متابعتنا للصحف والمجلات العربية والسودانية، عرفنا أقلاماً تتقمص شخصيات وهمية لاعتبارات مختلفة؛ فبعضها يلجأ إلى التخفي هرباً من حساسية المجتمعات، ولا سيما في أزمنة كان تعليم الفتيات فيها محظوراً في بعض البيئات، خصوصاً الريفية، وبعضها الآخر يتوارى خلف أسماء مستعارة خشية ملاحقة السلطات التي تضيق بحرية الرأي، خاصة في المجال السياسي.
أما اليوم، فقد اختلفت الأحوال، واتسعت مساحات التعليم والعمل والتعبير عن الرأي، وإن ظلت خشية الملاحقة القانونية أو الأمنية تدفع البعض إلى استخدام أسماء وهمية، وربما إرفاقها بصور مولّدة بالذكاء الاصطناعي لإضفاء ملامح واقعية على شخصيات قد لا وجود لها أصلاً.
والصورة المرفقة بمقالات امرأة تدعى أميرة كرار، يسبق اسمها حرف الدال، بما يوحي بأنها تحمل درجة الدكتوراه أو صفة علمية متخصصة في الدراسات الاستراتيجية والأمنية.
وتبدو هذه الشخصية، من خلال ما تنشره، منحازة إلى الجيش السوداني، ومؤيدة لاستمرار ما يسمى بحرب الكرامة، كما تتبنى مواقف داعمة للحركة الإسلامية السودانية، وتؤكد أن أحداً لن يستطيع إزاحتها عن المشهد السياسي، لا في الحاضر ولا في المستقبل.
وذلك كله يدخل في نطاق حرية الرأي والموقف السياسي، ما دام التعبير عنه ملتزماً بالقانون، بعيداً عن التحريض على العنف وانتهاك حقوق الآخرين.
لكن الأمر يختلف تماماً حين يتجاوز الخطاب حدود الاختلاف السياسي إلى الدعوة لقتل المعارضين، وتصويرهم جميعاً في هيئة العملاء والخونة الذين لا يستحقون الحياة، وكأن الاختلاف في الرأي أو الموقف جريمة عقوبتها الموت، وكأن الاحتكام إلى السلاح وتصفية الخصوم هو السبيل المشروع لحسم الخلافات.
وهنا لا يعود الأمر مجرد رأي سياسي أو انحياز إلى طرف في الحرب، بل يصبح سؤالاً عن المسؤولية القانونية والأخلاقية لمن يدعو إلى إهدار دماء الآخرين، وعن مدى مشروعية تحويل الخلافات السياسية إلى دعوات صريحة للقتل.
وتزداد علامات الاستفهام حين ننظر إلى الصورة التي تُنشر مع هذه الدعوات؛ فالمظهر الخارجي وحده لا يكشف حقيقة الأفكار، ولا يثبت انتماء صاحبته إلى تيار بعينه، لكنه يثير تساؤلات إضافية عن مدى صحة الصورة، وحقيقة الشخصية التي يُنسب إليها هذا الخطاب، ومدى اتساق ما يُنشر باسمها مع الهوية التي تقدم نفسها بها.
فمن هي أميرة كرار، إذن؟
إذا كانت شخصية حقيقية، وكانت الأدلة تثبت صدور دعوات صريحة عنها للتحريض على القتل، فإن الأمر يستوجب التحقق والمساءلة وفقاً للقوانين المعمول بها في البلد الذي تقيم فيه، فحرية التعبير لا تمنح أحداً حصانة للدعوة إلى إزهاق أرواح المخالفين.
أما إذا كانت شخصية وهمية، تقف وراءها جهات تتخذ من الأسماء والصور المصطنعة وسيلة لتمرير أجندات سياسية ملغومة، فإننا نكون أمام شكل آخر من أشكال التضليل الذي يستهدف تأجيج الكراهية، وتوسيع دائرة العداء، وإفساد ما تبقى في مجتمعنا من قيم التسامح وقبول الاختلاف.
وفي الحالتين، تقع على عاتق منصات التواصل الاجتماعي مسؤولية التعامل مع المحتوى الذي يتضمن تحريضاً صريحاً على القتل، والتحقق من البلاغات بشأنه، واتخاذ الإجراءات التي تقتضيها سياساتها والقوانين ذات الصلة، دون أن تتحول هذه الإجراءات إلى ذريعة لقمع الرأي المخالف.
إن أخطر ما يمكن أن تؤول إليه حروبنا ليس فقط ما تحصده من أرواح وخراب، وإنما ما تتركه في النفوس من استعداد لاستباحة دماء الآخرين لمجرد اختلافهم معنا في الرأي والموقف.
فهل أميرة كرار شخصية حقيقية تتبنى هذا الخطاب، أم اسم مستعار تقف خلفه جهة ما؟ ذلك سؤال لا تجيب عنه الصورة ولا الانطباعات، وإنما التحقق والأدلة.
والله من وراء القصد.



