الأعمدة

*أينور والكستناء والعصافير*

د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال


كنتُ مستغرقًا في الكتابة، كعادتي، فدخلت أينور وقطعت توارد خواطري، كعادتها، وتنبّأتُ بأنها سوف تردّد، كعادتها، أن الأذربيجانيين ينصحون الفتيات بألّا يتزوجن الكُتّاب، لأن بين الكاتب والجنون شعرة! ولكنها هذه المرة هي من نطقت بالجنون، وفي قمة الغيظ والغضب، قالت: تصوّر! إن زوجًا من العصافير لم يكتفِ بتناول الكستناء، وإنما بدأ أيضًا بنقلها! انظر! أنا أنتظر هذه الثمار عامًا كاملًا، لتأتي العصافير وتأكلها!.

وعادت مرة أخرى إلى حيث شجرة الكستناء الضخمة، وعدتُ أنا إلى قلمي، ويجول في خاطري هذا التنظيم البديع للكون والأرزاق والبيئة. فلولا تلك العصافير، لأتت الحشرات والديدان على كل شيء! إنه تنظيم بديع، ولكلٍّ دورته.

ومرة أخرى، قطعت أينور توارد خواطري، وهي غاضبة جدًا، وقالت: تصدّق أنهن لم يكتفين برحلاتهن لأخذ الكستناء، بل أتين بزوج آخر من العصافير لينقل معهن!.

أجبتها ضاحكًا، مما زاد غضبها: الرزق كثير، والكل سوف ينعم به، يا حبيبتي!.

ولكنها لم تقتنع؛ فعند الأذربيجانيين لا تحظى الفاكهة، مثل التفاح، بالاهتمام نفسه الذي تحظى به الكستناء. وبجوار شجرة الكستناء أشجار كمثرى وسفرجل وتفاح أحمر، نضجت ثمارها وأصبحت مثل خدود العذارى، ورغم أنها، بغنج ودلال، تكاد تدعوك إلى قطفها، فإن الكل يحب الكستناء، وأنا منهم؛ فهي لذيذة جدًا، وإن كنتُ قد تناولتها للمرة الأولى في إسطنبول، فلم ترق لي، ووجدت رائحتها غريبة جدًا.

وفي إسطنبول، تجد عربات زاهية الألوان، وباعة يرتدون أزياء مزركشة وطربوشًا، يذهب بخيالك إلى العهد العثماني وعظمته وتاريخه التليد.

عدتُ إلى أينور بعد تفكير وسرحان يغيظانها دومًا، فإذا بها تقول:
ماذا نفعل؟ سوف يأكلون كل الكستناء!.

قلت لها: أينور يا حبيبتي، تعالي نتجوّل في الذكر الحكيم قليلًا.
يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾.

وقال جلّ وعلا: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.

تعالي ننظر إلى نعمته التي ترينها أمامك الآن. ماذا قال عنها المولى تعالى؟
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾.

إن الشجر المثمر، يا عزيزتي، نعمة تستوجب الشكر، كما قال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ۝ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

انظري إلى شجرة الكستناء! ألا تلاحظين أنني دومًا أوقف السيارة عندها لأستظل بظلها الظليل؟ وتحيط بنا تلك الجبال الخضراء، فتذكّرني بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾.

إن ما ترينه من سلوك الطيور أمر طبيعي، ويدعو إلى التأمل في الطيور وسائر المخلوقات. فالأشجار توفر لكثير من الطيور أماكن للتعشيش والراحة والحماية، كما توفر الثمار والبذور غذاءً لبعضها.

والأشجار ليست للإنسان وحده، بل هي موطن وغذاء لكثير من الكائنات الحية، مثل النحل وغيره. هل تتخيلين عالمنا من دون نحل وحشرات تقوم بالتلقيح؟!
الحمد لله أننا نزرع أشجارًا يرزق منها الإنسان والحيوان، يا عزيزتي. فقد قال حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ».
تأمّلي عمق هذا الحديث الشريف، يا عزيزتي؛ فإننا نغرس شجرة اليوم، ثم تأكل من ثمرها أجيال من الناس، وتنتفع بها الطيور والحيوانات، ويظل لك من الأجر بقدر ما شاء الله لهذا النفع أن يستمر.

لذلك، أنا لا أتوقف عن غرس الأشجار. وقال حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أيضًا: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا».
والمعنى العميق لهذا الحديث الشريف، الذي يدعو إلى الإعمار، هو ألّا نجعل اليأس من المستقبل سببًا للتوقف عن العمل النافع… فحتى لو كانت الساعة توشك أن تقوم، فإن غرس الفسيلة يظل فعلًا محمودًا إذا استطاع الإنسان القيام به.
إنها رسالة في الأمل والعمل والبناء، حتى في أحلك الظروف.
نحن الآن في حركة السودان الأخضر، ورغم الحرب والتدمير والدماء التي تسيل، نزرع الأشجار.

قاطعتني أينور قائلة: صدق الله تعالى، وصدق رسولنا الكريم، ولكن أيعني ذلك أن نترك كل الثمار للطيور؟.

ضحكت وقلت لها: ألا تذكرين في العام الماضي، عندما كنت أحصد ثمار شجر التفاح، أنك طلبتِ مني ألّا أقطف كل شيء، وأن نترك بعضها للطيور؟.

أجابت: نعم، كان أجدادي يفعلون ذلك، وأبي كان يطعم الطيور في الشتاء القارس عندما ينعدم كل شيء. ولكن الكستناء لذيذة، وأنا أحبها! لماذا لا يأكلون التفاح؟.

ضحكت وربّتُّ على كتفها، وقلت: ولماذا لا تأكلين أنتِ التفاح، وتتركين الكستناء لهم؟.

قالت: أنا أعشق الكستناء!.

قلت لها: تعشقين الكستناء أم فخرالدين؟.

أجابت: الاثنان معًا!.

قلت لها: عليكِ اختيار واحد منهما!.

هنا ضحكت وذكّرتني بقصة عن الشاي باللبن.
فهي تعرف أنني لا أستطيع العيش بدونه، وأنني، أساسًا، لا أستيقظ أو أصحو تمامًا من دون الشاي باللبن. فسألتني: اختَر أينور أم الشاي باللبن؟.
فأجبتها بسرعة، وأنا أتوقع رد فعلها: طبعًا، الشاي باللبن!.
فقالت ساخرة: والله يا بروف وضغطت على تلك الثلاث احرف، خانك ذكاؤك! لو قلت أينور لحصدت الكل، فأنا من يصنع لك أحلى شاي باللبن. من اليوم لن أفعل!»د.
وطبعًا، غيرة أينور ليست من النساء، أو الشاي باللبن، أو أي شيء يجول بخيالكم؛ غيرتها من الكتابة!
وخصوصًا عندما أكون مستغرقًا في الكتابة، ولا أرد عليها إلا بالإشارة، ولا أتحدث معها، بينما هي تدخل وتخرج، وتنتظر أن أنتهي، بملل وضجر…
وعندما أنتهي من الكتابة، وقد يستغرق ذلك ساعات، تردّ بالمثل، فلا تتحدث معي. وحين أسألها عن شيء، تجيبني بالإشارة!
وهذا اليوم، انتقلت المعركة من فخرالدين إلى العصافير!
د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال
#fakhreldeen
+ تجدون على هذا الرابط مقالتي عن الكستناء:
https://www.facebook.com/share/p/18TbpUx2A7/

زر الذهاب إلى الأعلى