الأعمدة

بندقية العسكري وقلم المدني: القصة الكاملة لأكبر خيانة تشريعية في تاريخ السودان

أسامة كنينة
يعيش السودان منذ عقود طويلة في دوامة لا تنتهي من الحروب الأهلية، والانهيارات الاقتصادية الطاحنة، والأزمات المعيشية التي أرهقت كاهل المواطن البسيط. وفي خضم هذا المشهد المأساوي المعقد، تعودت النخب السياسية، بمختلف ألوانها وتوجهاتها، على تسويق قوالب تفسيرية جاهزة ومبسطة للأزمة؛ فتارة يُصور الصراع على أنه مواجهة أبدية وحتمية بين المكونين العسكري والمدني، وتارة أخرى يُطرح كنزاع أيديولوجي محتدم بين اليمين واليسار، أو كصدام عرق جهوي بين مركز مستأثر بالسلطة وأطراف مهمشة تعاني التمييز.
لكن الحقيقة الصادمة التي يتفادى الجميع مواجهتها، والسر الذي تتواطأ النخب الحاكمة والمعارضة على حد سواء لإخفائه عن الشعب السوداني، هو أن هذه العناوين البراقة والشعارات الرنانة ليست سوى غطاء خارجي ومبررات تسويقية تخفي خلفها الخطيئة التاريخية الكبرى والجريمة المستمرة منذ عام 1970 وحتى يومنا هذا؛ وهي جريمة “اختطاف الدولة وقوننة سلب مقدرات الشعب وتحويل ثرواته إلى غنيمة سياسية”.
إن جذر الأزمة السودانية لا يعود إطلاقاً إلى نقص في الموارد الطبيعية، ولا إلى فوضى عابرة ناتجة عن غياب التشريعات، بل يعود إلى النقيض تماماً؛ يعود إلى وجود بنية قانونية وتشريعية معيبة وفاسدة، صُممت وهُندست خصيصاً بقوة القانون لتجريد الدولة والشعب من مكتسباتهما التاريخية. لقد تم التلاعب بمفهوم “الملكية العامة” – التي تعني في أصلها اللغوي والقانوني اشتراك جميع أفراد المجتمع في المنفعة العامة والتصرف وفق قواعد عادلة تحمي الجميع – وتحويلها إلى صك تفويض مطلق ومنفرد يمنح “الحكومة” المؤقتة الحق الحصري والكامل في نزع الأراضي، ورهن الموارد، وتوزيع الامتيازات بعيداً عن الرقابة الشعبية والمؤسسية.
هذا التواطؤ لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج خيانة ممتدة شاركت فيها كافة النخب التي تعاقبت على حكم الخرطوم، حيث وجد الجميع في هذه التشريعات الظالمة عملة الشراء السياسية الأولى لتثبيت عروشهم أو تمويل تنظيماتهم. ويسعى هذا المقال الشامل إلى تفكيك هذه الجريمة الممتدة عبر 56 عاماً، وكشف آلياتها، وتوضيح كيف أدى هذا التغول التشريعي إلى اختراق الأمن القومي السوداني واختطاف الدولة بالكامل.
أولاً: التمييز الغائب.. كيف تحول القانون من حارس للدولة إلى أداة للحكومة؟
في الفقه القانوني والسياسي المستقر، هناك فجوة هائلة وتمييز حاسم ومقدس بين مفهومين جرى خلطهما عمداً في الوجدان التشريعي السوداني لتمرير عمليات النهب الممنهج:
– الدولة (The State): هي الكيان الاعتباري الثابت والمستدام الذي يمثل مجموع الشعب، الأرض، والسيادة العابرة للأجيال. والأصول السيادية للدولة، وعلى رأسها الأراضي والموارد الطبيعية، هي ملك للأمة بأسرها، وتظل محصنة ومجمدة لا تملك أي سلطة حق التصرف فيها منفردة أو بيعها، لأنها تمثل ممسكات الأمن القومي والوجودي للمجتمع.
* الحكومة (The Government): هي مجرد جهاز تنفيذي وإداري مؤقت، موظف لدى الدولة ومكلف بإدارة شؤونها وتسيير دولاب العمل فيها لفترة زمنية محددة وفق تفويض شعبي ودستوري محكم وصارم.
الخطيئة البنيوية الكبرى في السودان بدأت عندما نُزعت هذه الحصانة السيادية عن الأرض والموارد، وجرى تمليكها عبر ترسانة من القوانين الجائرة إلى “الحكومة” كحق عيني ومطلق، بدلاً من إبقائها تحت مظلة “الدولة والشعب”. هذا الخلط المتعمد جعل أي مجموعة عسكرية أو مدنية تسيطر على كُرسي الحكم في الخرطوم – بأي وسيلة كانت – تمتلك تلقائياً “صكاً قانونياً” يتيح لها التصرف في ملايين الفدادين والثروات السيادية دون الحاجة للرجوع إلى الشعب أو موافقة برلمانية حقيقية، فتحولت الحكومة من صفة “المدير والحارس” إلى صفة “المالك الإقطاعي المطلق” الذي يتصرف في مقدرات البلاد كأنها ضيعة خاصة.
ثانياً: تفكيك لغز ملكية الحكومة ضد ملكية الدولة.. الزلزال البنيوي لمرسوم 1970
لكي نفهم العمق الحقيقي للمأساة، يجب أن نسلط الضوء على الفارق الجوهري والخطير بين “ملكية الدولة” و**”ملكية الحكومة”**؛ وهو التزييف المصطلحي الخبيث الذي مررت من خلاله النخب خطيئتها.
عندما يقرر الدستور أن الموارد والأراضي هي ملك للدولة، فإنها توضع تلقائياً في خانة “الأصول السيادية غير القابلة للتصرف” (Inalienable Assets). في هذا الوضع المعياري، تكون الأرض خارج حركة السوق الحرة والتجارة؛ أي أن الحكومة – مهما بلغت قوتها – لا تملك الحق في بيعها، أو رهنها، أو منحها كعطايا، لأنها بكل بساطة ليست مالكة لها بل هي مجرد “أمين مجرد” يحرس ثروة الشعب عابرة الأجيال. أي تصرف منفرد من الحكومة في ظل “ملكية الدولة” يعتبر باطلاً قانونياً وجريمة تبديد لأصول السيادة.
لكن الصدمة الكبرى والزلزال البنيوي الذي أحدثه “مرسوم قانون الأراضي غير المسجلة لسنة 1970” (الذي صدر في 6 إبريل 1970 في ظل نظام مايو العسكري والمدعوم يسارياً بوزراء ومنظري الحزب الشيوعي والتيارات القومية)، هو أنه ألغى بضربة واحدة هذه الحصانة السيادية. لقد نقل القانون ملكية أكثر من 90% من جغرافية السودان (كل أرض لا تحمل شهادة تسجيل ملكية فردية رسمية) من خانة “أصول الدولة المحصنة” إلى خانة “الملكية الخاصة والعينية والمطلقة للحكومة”.
هذا التحول التشريعي لم يكن مجرد تعديل إداري، بل كان انقلاباً جذرياً غير مفهوم علاقة الإنتاج كاملة. بموجب هذا القانون، تحولت الأرض من أصل سيادي محمي إلى “سلعة تجارية ومحفظة استثمارية” تقع تحت التصرف المطلق والمنفرد للجهاز التنفيذي في الخرطوم. منح هذا القانون رئيس الحكومة أو الوزير المختص صكاً وتفويضاً قانونياً يتيح له نزع أراضي المجتمعات المحلية، وتأجيرها، وبيعها، ووهبها كامتيازات دون رقابة برلمانية أو قضائية حقيقية، ودون الحاجة لأخذ إذن الشعب أو تعويضه العادل.
من هنا تحول هذا القانون إلى “كرت رابح وقانون مقدس” تحرسه كل الأنظمة التي تعاقبت على السودان لاحقاً. فقد أدرك كل من جلس على كرسي السلطة أن هذا القانون يمنحه صلاحيات “الإمبراطور العقاري المطلق” الذي يملك جغرافية البلاد، ويستطيع استخدامها كعملة سياسية لشراء الولاءات الداخلية، أو رهنها للمحاور الخارجية مقابل تثبيت سلطته، مع شطب حقوق “الحواكير” والملكيات الجماعية التاريخية التي حمت القبائل والمجتمعات لأجيال في أقاليم السودان المختلفة (دارفور، كردفان، الشرق، والنيل الأزرق). وتحول المواطن البسيط الذي يفلح أرض أجداده، بموجب هذا التشريع الجائر، إلى “متعدٍّ” أو مستأجر بائس تحت رحمة السلطة المركزية، وتأسست في السودان أشرس مظاهر “رأسمالية الدولة القهرية” التي جعلت من الحكومة أكبر مضارب ومحتكر للأراضي في البلاد تحت شعارات مضللة مثل “التحديث وتفكيك البنى التقليدية الرجعية”.
ثالثاً: عقود الصمت والانتفاع.. خيانة ممتدة عابرة للأيديولوجيات
منذ صدور ذلك القانون المشؤوم في عام 1970 وحتى يومنا هذا، تعاقبت على حكم السودان شتى أنواع الأنظمة السياسية المتناقضة في الظاهر والمتطابقة في الباطن؛ ومع ذلك، الجميع حكم والجميع صمت واستغل ذات القانون، مما يؤكد أن القضية ليست قصوراً معرفياً بل هي تواطؤ وخيانة ممتدة لحماية الامتيازات السياسية.
خلال فترة الديمقراطية الثالثة (1985 – 1989)، ورغم بزوغ الحريات وصعود الأحزاب التقليدية والليبرالية إلى سدة الحكم، لم يجرؤ أي حزب على فتح هذا الملف أو إلغاء قانون 1970، بل استمرت الحكومات الحزبية في استغلال هذا التفويض الحكومي المطلق لإدارة الولاءات السياسية وتوزيع التسهيلات.
وعندما جاء نظام الإنقاذ (1989 – 2019) بروايته اليمينية والإسلامية، لم يقم بإلغاء إرث اليسار التشريعي، بل وجد فيه الضالة المنشودة؛ فقام بتطويره وتوسيعه عبر “قانون المعاملات المدنية لسنة 1984” وتعديلاته اللاحقة، ليحول الأرض إلى أداة نيولبرالية وحشية. وتوجت هذه الممارسة بصدور قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005 المعيب، الذي استهدف تفكيك البنية التعاونية والإنتاجية لأكبر مشروع زراعي في البلاد، مما تسبب في تدمير نظمه الهندسية والري، وتشريد ملايين المزارعين وتحويلهم إلى عمال مياومة بائسين بعد تجريدهم من مكتسباتهم التاريخية.
وفي ذات الحقبة، استخدم نظام الإنقاذ هذا التفويض المطلق لرهن وتأجير ملايين الفدادين الخصبة والموانئ الاستراتيجية لجهات ومستثمرين أجانب بعقود إذعان تصل إلى 99 عاماً وبإعفاءات ضريبية كاملة، مع شرعنة سياسات “تجنيب الإيرادات” (مثل عوائد الذهب والنفط) خارج الموازنة العامة، لتتدفق أموال الشعب بشكل قانوني – بحسب تشريعاتهم الفاسدة – خارج الخزينة العامة لصالح التمكين الحزبي وشراء الولاءات.
وحتى بعد سقوط النظام في عام 2019 وصعود الحكومات الانتقالية التي رفعت شعارات الثورة (حرية، سلام، وعدالة)، انشغلت النخب المدنية والعسكرية بالصراع على كراسي الحكم والمحاصصات الحزبية، وصمتت صمتاً مطبقاً عن تفكيك هذه البنية التشريعية الفاسدة، فظلت كافة الاتفاقيات المجحفة وعقود الأراضي سارية المفعول كأن شيئاً لم يكن، لأن هذه النخب علمت أن إلغاء القانون يحرمها من امتياز التصرف المطلق بثروات البلاد إذا ما انفردت بالسلطة.
رابعاً: اختراق الأمن القومي واختطاف الدولة السودانية
إن قوننة سلب الأراضي وتفويض الحكومات بالتصرف المنفرد في أصول البلاد لم يكن مجرد تجاوز مالي أو فساد إداري، بل مثل عملية اختراق مدمرة للأمن القومي السوداني وشللاً كاملاً لقدرات الدولة في محاورها الأساسية:
1. تهديد الأمن الغذائي والمائي: السودان الذي يمتلك أكثر من 170 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة وشبكة مياه عذبة هائلة، بات يستورد قمحه ويعاني شعبه من المجاعات والفجوات الغذائية الحادة، لأن أراضيه الخصبة جرى تأجيرها لمدد تقارب القرن لتصدير المحاصيل مباشرة لتأمين الغذاء لدول أخرى دون أي عائد حقيقي يدخل خزينة الدولة أو يطور المجتمعات المحلية.
2. اختراق السيادة الجغرافية والسياسية: تحولت المواقع الاستراتيجية والأراضي الحدودية والموانئ على ساحل البحر الأحمر إلى أوراق مساوَمة وضغط سياسي تستخدمها النخب لخطب ود المحاور الإقليمية والدولية مقابل الحصول على الدعم العسكري والسياسي للبقاء في السلطة، مما رهن القرار الوطني المستقل للخارج وجعل السودان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية.
3. تغذية الحروب وتفتيت النسيج الاجتماعي: ترتبط الأرض في الوجدان السوداني بالهوية والوجود والاستقرار؛ وعندما تسلب الحكومة هذه الأراضي بقوة القانون لتمنحها لشركات عابرة للقارات أو لنخب مسلحة، تندفع القبائل والمجتمعات المحلية نحو التسلح وحمل السلاح للدفاع عن حواكيرها التاريخية. وهذا التجريد القانوني هو الوقود والمحرك الأساسي لكافة الحروب الأهلية الطاحنة ونزاعات النزوح واللجوء التي دمرت أطراف البلاد.
إن هذا الواقع المعيب يقودنا إلى النتيجة الحتمية والأكثر خطورة: “الدولة السودانية نفسها مخطوفة” بالكامل؛ حيث تسيطر شبكات ريعية وتحالفات مصلحية (عسكرية وأمنية ومدنية) على مفاصلها, وتستخدم القوانين والتشريعات كواجهة قانونية لشرعنة السلب، بينما تحول المواطن إلى مجرد دافع للضرائب والرسوم دون أن ينال أي خدمات أساسية في مجالات الصحة أو التعليم أو الأمن.
——
الرؤية المطلوبة لكسر طوق الخيانة :
إن تفكيك خطيئة الـ 56 عاماً يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن المرض البنيوي في السودان عابر للأيديولوجيات والشعارات، وأن الرهان على النخب السياسية التقليدية أو مجرد تغيير وجوه الحكام والجنرالات هو إعادة إنتاج وتدوير للأزمة ذاتها وبذات الأدوات.
إن الحل التاريخي والمخرج الوحيد من هذه الدائرة الخبيثة لا يمكن أن يأتي من أعلى المنظومة السياسية الحالية، بل يجب أن يفرض فرضاً عبر ثورة وعي قانوني ودستوري تنطلق من القواعد الشعبية وأصحاب المصلحة الحقيقيين (المزارعين، الرعاة، والمجتمعات المحلية)، ويرتكز هذا الحل على ركيزتين أساسيتين:
1. الصياغة الدستورية المحصنة: وضع نصوص دستورية قطعية وفوق-قانونية تقر بوضوح أن الأرض والموارد الطبيعية والموانئ هي ملك حصري ومستدام لـ “الدولة والشعب”، وتعتبر الحكومات مجرد حارس إداري مؤقت لا يملك أي حق في البيع أو الإيجار طويل الأجل إلا بشروط معقدة، وموافقة برلمانية وشعبية واسعة ومباشرة، مع اعتبار أي اتخاذ قرار منفرد في هذا الشأن خيانة عظمى تسقط شرعية السلطة تلقائياً.
2. التفكيك والمراجعة الشاملة: إلغاء قانون الأراضي لسنة 1970 وتعديلاته فوراً، وإبطال كافة التشريعات التي شرعت سياسات تجنيب الأموال وسلب حقوق المجتمعات المحلية، مع تشكيل لجان قانونية وطنية مستقلة لمراجعة وإبطال كافة عقود الإذعان والامتيازات طويلة الأجل التي وُقعت في فترات اختطاف الدولة لضمان استرداد حقوق الأجيال القادمة.
بدون استرداد الأرض كأصل سيادي راسخ للدولة والشعب، وبدون إلغاء صكوك السلب القانونية، ستبقى الدولة السودانية مسرحاً مستباحاً لصراع النخب على الغنائم، ويبقى الشعب السوداني العظيم غريباً ومفقراً في أرض يمتلك كل مقومات ثرائها ونهضتها.

زر الذهاب إلى الأعلى