الأعمدة

محمد النصري… الآن حصحص الـ”حك”!

عوض ابوشعرة
الغناء في السودان لا يخرج عن مسارين، الأول فنان يبني مجده بصوته وأعماله التي يخلدها الزمان حتى وإن رحل عن الدنيا تبقى هي كعلم ينتفع به الوجدان السوداني، وفي الجانب الآخر هناك فنان يبني صوته بمجد الآخرين فتجده يبدأ مقلداً ثم “مؤدلجاً”؛ ومحمد النصري اختار الثانية، فقبل سنوات، قررت إحدى قنوات الكيزان أن تصنع منه نجماً لشهر رمضان المبارك.
نجومية تم “دفع مهرها” ثلاثين حلقة، اختاروا لها قاعة في كافوري لتشهد صرخة ميلاد نجم “من طنبور” ليخدم أهداف الحركة الشيطانية الدنيئة، فتم ترتيب كل شيء طاقم على أهبة الاستعداد، وحقوق الشعراء تُدفع مقدماً “كاش داون” كل شيء كان مهيأً لـ”صناعة” نجم يحمل على “صوته” ختم الحركة “mede in kazan” حتى جاء اسم شاعر الغلابة الذي رحل عن الدنيا وكان في جيبه سبحة وثلاث بلحات؛ محمد الحسن سالم حميد..
الراحل المقيم الذي لا يُغنى شعره، بل يُتلى على مسامع محبيه فيغتسلوا بكلماته ويرتووا بقافيته التي ترد العافية لجسد أنهكه الكيزان ظلماً، وجوراً، وتسلطاً، شعر رسالي أثقل من الطنبور نفسه.
وعندما وصلت المفاوضات من أجل غناء النصري لقصائد حميد، اصطدمت بحائط اسمه “فاطمة”، شقيقته ووارثة إرثه، ووكيلها وليد، الأسرة لم تختلف حول المال -رغم ضخامته- بل اختلفت حول القامة، قامة النصري الأدائية التي رأتها أقصر من أن تحمل عبء مشروع حميد الثوري.
كانوا يرون النصري متكسباً من شعر كتب للغلابة، بينما هو يجيد التسلق على أكتاف النصوص ليصل إلى “بنيات الجرف”، وهنا كان النصري يعرف الحقيقة التي يعرفها السوق كله، النصري بلا حميد، لا يسحب بساطاً من تحت “أغاني وأغاني” ولا يمكنه منافسة برنامج “حتى تكتمل الصورة”، بل إن النصري يعلم يقيناً أنه بلا حميد يصبح برنامج بلا بساط، فلهث، وتوسط، وأدخل مدني النخلي والمعارف، حتى وافقت الأسرة على مضض، بشرط أن لا يُعاد بث الأغنيات إلا مرتين، مرتين فقط، كأنهم يخافون أن يبلى المعنى من كثرة الترديد بصوت لا يشبه “مبادئ وقيم” حميد.
واليوم، بعد سنوات، يجب أن نعتذر لتلك الأسرة؛ على ذلك التعنت الذي لم يُفهم وقتها، كان بعد نظر، كانوا أمناء على الإرث، يشمون “رائحة” التوظيف قبل أن نراها نحن؛ فالنصري مبدع في التسلق والتزلف للسلطة.
النصري الذي اعتزل الغناء مرة بدعوى الحرمة الدينية، ثم عاد، والذي أوقف الغناء بعد الحرب تضامناً مع الشعب مثلما قال، ثم عاد ليغني في احتفالات عيد الجيش في 17 أغسطس بأم درمان، ثم يستعد لجولة “الخرافي قادم إليكم” في السعودية، تاريخه كله عودة بعد اعتزال، وغناء بعد توقف، صوت يبحث عن “شماعة” تحمله.
هو لم يرث طنبور حميد كما يدعي، بل ورث قدرة عجيبة على البقاء في الضوء، حتى لو كان الضوء هو اسم ضياء الدين بلال “الأصلي” قبل أن يعدله في المحكمة!
وحتى لو كان الثمن أن تُفتح له أبواب أُغلقت في وجه من هو أفضل منه موهبة وأصدق منه موقفاً، وما أكثر هؤلاء الذين حاربوهم ودمروا مواهبهم على حساب هذا النصري، والآن حصحص الحق، فأسرة حميد التي رفضته بالأمس، كانت تقرأ اليوم، والمستمع الذي صفق له بالأمس، اكتشف أن للنصري طنبورين يمكن أن يعزف عليهما في آن واحد، لحن لبنيات الجرف، ولحن لحكم العسكر الما بتشكر، وقد أجاد في ذلك هناك في مروي.
من ذات المكان الذي شهد انطلاقة مسيرة تسلقه من أعراس مروي شرق، عاد إليها بـ”بزة” عسكرية، ليس كعريس، بل كجندي في شعبة التوجيه المعنوي بالفرقة 19 مشاة، صورته بالكاكي نشرتها صفحات القوات المسلحة، ورحب به قائد الفرقة اللواء طارق سعود، كالتفاف للفنانين حول الجيش، وقف النصري أمام جنود الفرقة السادسة الفاشر المستضافين في مروي، وغنى، ثم ألقى كلمته التي تلخص كل شيء، حيث قال إنه كان يتبع للفرقة 19 مشاة، لكن تمت إقالته بسبب موقفه الرافض لثورة ديسمبر، للثوار الذين أطاحوا بالبشير، هو لم “تتم إقالته” من الغناء لأنه ثوري، بل أُقيل من العسكرية لأنه ضد الثورة!
ومع ذلك ظل لسنوات “يقتات” على شعر حميد، شاعر الثورة الأول، ويدعي أنه “امتداده”؛ حميد الذي كتب للغلابة والمهمشين، يُغنى اليوم بلسان من يفتخر بأنه رفض ثورتهم، لذلك أسرة حميد لم تكن ترفض صوتاً، كانت ترفض “تناقضاً” كانت ترى “قزماً” يحاول أن يلبس ثوب عملاق.
النصري لم يخن حميد فقط، بل خان الطنبور نفسه؛ الطنبور الذي كان آلة للمقاومة في منحنى النيل، حوله إلى بوق خراب للتوجيه المعنوي؛ وأصبح النصري نجماً في الترحيب بعودة القاتل صلاح قوش، أصبح صاحب محل لتنظيم الأغنيات، التي جعلها قماشاً يقطع منها للزبون ويفصيلها حسب طول وعرض الكوز.

زر الذهاب إلى الأعلى