الأعمدة

دماء على حواف المناجم: مأساة المعدنين السودانيين بين سندان الفقر ومطارق القصف وتجاهل الحكومة

بقلم/ إيهاب الأمين
تنسكب الدموع حارة لتغسل وجوهاً لفحتها شمس الصحراء الحارقة وتخضب تراب الوطن بدم زكي سال من أجساد أنهكها البحث عن لقمة عيش مغموسة بالتراب والشقاء.. لم يكن هؤلاء العمال الأبرياء الذين تجاوز عدد ضحاياهم العشرات في منجم العقيدات بمنطقة شمال الوادي يبحثون عن ثراء فاحش أو مغامرات عابرة بل أخرجهم الفقر المدقع وضنك العيش الذي بات يلف أعناق الملايين وقد دفعهم الغلاء الفاحش وانعدام سبل الإنتاج إلى الفرار نحو مهنة الموت بحثاً عن رمق يسدون به رمق أسرهم المنتظرة خلف الآفاق بعد أن دارت رحى الحرب في البلاد وأهملت الحكومة أوجاع المواطن المغلوب على أمره وتنشغل السلطات الحاكمة بمعاركها ومصالحها الضيقة ورغبتها العارمة في الاستمرار على كرسي السلطة الذي سطت عليه عن طريق انقلاب مشهود ليظل التهميش والإهمال هو العنوان الأبرز لحياة المواطن السوداني الذي ترك وحيداً يصارع وطأة الجوع وغياب الخدمات الأساسية وهذا الصمت الرسمي المطبق يجسد عمق المأساة حيث تقف الحكومة متجاهلة و متغافلة عن حماية مواطنيها الذين قضت عليهم طائرات حربية في العمق السوداني ولا عجب إذ أنها تضرب بما يتصل بالمواطن عرض الحائط بدلاً من توفير بيئة عمل آمنة أو فتح آفاق التنمية في بلد يذخر بالخيرات فيترك الشباب والآباء لمواجهة مصيرهم تحت القصف الجوي الغادر دون أن تنبس الجهات الرسمية ببنت شفة مما يعكس غياباً كاملاً للمسؤولية الأخلاقية والوطنية تجاه دماء رخيصة في نظر صناع القرار من الحكومة الانقلابية الفاسدة.
من جانب آخر تتجلى القسوة والوحشية في أقبح صورها حين تحصد آلة الحرب أرواحاً مدنية بريئة لم ترتكب جرماً يستحق هذه التصفية الجسدية المروعة حتى وإن كانت هناك مخالفات حدودية أو تنظيمية فإن الأعراف الدولية والقوانين الإنسانية تقتضي التوقيف والمحاكمة العادلة لا الإبادة العشوائية بالطائرات الحربية وتتفاقم هذه المرارة بالنظر إلى الاحتلال الذي تعاني منه الأراضي السودانية في منطقة حلايب وشلاتين تحديداً واعتماد المصريين المستمر على الموارد الزراعية والحيوانية السودانية التي ترفد خزائنها بالعملات الحرة بكميات ضخمة بينما يقابل هذا النهب والاكتساح الاقتصادي الذي تمارسه الحكومة المصرية بقذائف الموت والدمار للمواطن السوداني الكادح. إن غياب المساءلة الدولية والصمت المريب عن هذه الانتهاكات يمثل جريمة كبرى تفوق حدود الجرائم العادية وتترك جرحاً غائراً في وجدان الشعب السوداني الذي فقد الأمل في حكومة العسكر وبات يرى دماء أبنائه تسفك بلا ثمن في ظل معادلات سياسية واقتصادية مجحفة.

زر الذهاب إلى الأعلى