
(موطئ قلم)
محمد عبد الله برقاوي
لا أجد تشبيهًا ملائمًا لمعاناة وطننا السودان الراهنة، أدقَّ من صورة فارسٍ سقط من على صهوة جوادٍ جامح الطبع، مستعصٍ على سطوة العنان، متمرّدٍ على وخزات المِهماز، مغمض العينين عن جادّة المضمار، فلا يرى الطريق، بينما يركض في الاتجاه المعاكس للغاية النهائية للسباق!
أصبح ذلك الفارس، من أثر السقطة المدوّية، محطم الأطراف، مقصوم الظهر، يتوسّد جراحًا تنزف من مختلف أنحاء جسده الواهن.
ومن يصبح في مثل هذه الحالة المزرية، ليس في حاجة ملحّة إلى من يحرّكه من زاوية إلى أخرى، حيث تشتعل سخونة الجو أو تتسلل برودة الطقس إلى مختلف أركان الدار، دون أن يعمل بجدية على معالجة جراحات ذلك الفارس المطروح، الذي يهدر الزمن من حوله، دون أن يجد من يطبّب جراحه أو يجبر كسوره، حتى ينهض، ولو بعد طول فترة التعافي، واجتياز مراحل التأهيل الشاقة، بما تتطلبه من تحمّل قسوة العلاج الطبيعي.
إنه في حاجة إلى تفعيل موارد إنتاجه، وتعمير الدار التي احتوته في رقدته المعطّلة لنموه، والحابسة لانطلاقته من جديد في مضمار السباق، بعد استجماع أنفاسه الكامنة خلف غيبوبته، جراء تلك السقطة المهولة والباهظة الثمن!
وطنٌ بهذه الحالة، هل هو في حاجة إلى حاكم يكرّس جهده لتأسيس مجد ذاتي، من خلف غبار يحجب الرؤية عن المستقبل، على المديين القريب والبعيد، بينما يتغافل عن ترتيب أولويات المواطن؟ أم إلى حاكم يملأ صدره بنشوة التهليل العفوي، لمجرد أنه استدرّ دموع الجماهير، حين رأته متبسطًا آمنًا بين أناس طيبين، تبهرهم صورته وهو يبتسم لهم ويرفع قبضته، منتشيًا بما ظنّه حبًا يصنع الزعامة الحقيقية!
فهل هذه هي المواصفات المطلوبة لحاكم يستطيع إعادة ذلك الفارس المنكوب، المحطّم الجسد والمشتّت الذهن، إلى صهوة جواده، في مواجهة ما ينتظره من عوز، وما يكتنف مستقبله من غموض، لا يعرف معه من أين يبدأ حركته، ولا متى يستطيع استئنافها بعد تعافيه النسبي؟
أم أنه يحتاج إلى حكيمٍ نطاسيّ يبدأ بتشريح الحالة سريريًا، وإجراء الفحوصات المختبرية والتشخيصية والإشعاعية اللازمة، بمعاونة فريق من المختصين والفنيين المؤهلين، ومن ثم تحديد طبيعة العلاج، سواء أكان جراحة ضرورية، أم مداواة بمختلف العقاقير، شريطة ألا تكون منتهية الصلاحية أو غير ملائمة لتطبيب هذه الحالة المعقّدة؟
فهل في تعقيدات هذه الحالة ما يُغري أيَّ حالم بحكم السودان، عسكريًا كان، مهما توهّم محبة أهل المريض له من خلال مظاهر العفوية، أم سياسيًا، أيًّا كان توجهه الفكري أو قناعاته المبدئية، بأن يتصدى لهذه المهمة العسيرة، دون أن يفكّر عشرات المرات، ويقلّب حصيلة درايته، ويدقّق حساباته في معرفة حقيقة الحالة، قبل تحديد خطة العلاج؟
إن كل الشواهد تشير إلى أن هذه المواصفات لا تتوافر إلا بتجرّد كامل من غابات الطموح الشخصي الضيق، ومن السعي التنظيمي ذي الرؤى الفضفاضة التي تفتقر إلى التركيز، في وقت يتعارك فيه المتصارعون بمختلف الأسلحة الصدئة، وفي شتى ميادين الصراع السياسي، وعلى جبهات القتال أيضًا.
وفي خضم هذه الصراعات، تتضاءل معالم الغاية الوطنية الخالصة، وتغيب الأولوية الحقيقية المتمثلة في البحث عن العلاج بالكفاءة المطلوبة، لتحلّ محلها معارك الاستحواذ على حق التصدي للمهمة الجسيمة، استنادًا إلى الولاء أو الإرث التاريخي، أو إلى توهّم أحقية استعادة العنان الذي سقط من يد صاحبه، بعدما أخفق في توجيه جواد الوطن نحو الاتجاه الصحيح، على مضمار طويل المسار، غير معبّد، ولا تتضح معالم نهايته.
وهكذا خسر السباق وسط هتافات الجمهور الساخط، الذي شهد عجز الفارس عن إحكام قبضته على العنان وتوجيه جواده، في نتيجة بدت حتمية ومتوقعة، بحكم الزمن والتجارب المتكررة.
فهل في كل ما ذهبنا إليه ما يُغري أيًّا كان بحكم السودان، ليجعل من هذا المريض، محطم العظام والممزق الأوصال، حقل تجارب جديدًا، بعدما انفضّ عن داره كثير من أهلها، شتاتًا، هربًا من تحمّل تبعات تلك السقطة المؤلمة؟
إنها حقيقة حالة تستدعي فريقًا من الحكماء، يعملون بروح التضامن الجماعي، وفق خطة واضحة المعالم، تُنفّذ على مراحل، وتتطلب صبرًا طويلًا؛ ليس من المريض وحده، وإنما أيضًا من أهله، على اختلاف درجات قربهم أو بعدهم عن مركز رقدته المأساوية، مهما تباينت قناعاتهم بشأن تحمّل تكلفة العلاج، ومهما اختلفت تقديراتهم لضروراته وأولوياته.
فالمطلوب هو استعداد حقيقي للتكاتف، من أجل إنجاز مهمة العلاج، وصولًا إلى التعافي النسبي الذي يساعد المريض على استعادة القدرة على الحركة، والسير على درب استرداد حياته من جديد، بمعونة الحكيم الخبير والمخلص، لا بتضخيم صورة الحاكم الحالم، الذي ينفخ في بالون الوهم، غافلًا عن أن طعنات إبرة الفشل، عند محك التجربة الحقيقية، قد تثقب ذلك البالون في لحظة، فتبدّد كل ما علّقه عليه من آمال زائفة!
والله من وراء القصد، وهو الشافي والمستعان على كمال التعافي، بإذنه تعالى.



