الأعمدة

دماء المعدّنين في شمال السودان.. حين يصبح البحث عن لقمة العيش رحلة إلى الموت

مجتبى ميرغني
لم تعد الحرب في السودان تقتصر على ميادين القتال، ولم يعد خطرها محصوراً في المدن التي شهدت المواجهات والدمار والنزوح. فقد امتدت آثارها إلى حياة الناس وأرزاقهم، وأصبح المواطن السوداني يواجه تحديات قاسية في سبيل تأمين أبسط احتياجاته واحتياجات أسرته.
ومأساة المعدّنين الأهليين في شمال السودان، الذين أُفيد بمقتل عدد منهم جراء قصف جوي، تفتح جرحاً جديداً في جسد الوطن، وتضع أمامنا أسئلة مؤلمة عن حماية المدنيين، وحق الإنسان في الحياة، ومصير الذين يخرجون كل صباح بحثاً عن لقمة العيش الكريم.
إن التعدين الأهلي يمثل مصدر رزق لآلاف السودانيين، ممن دفعتهم الظروف الاقتصادية وضيق فرص العمل إلى البحث عن الذهب في مناطق بعيدة، يتحملون فيها مشقة العمل وقسوة البيئة ومخاطر المهنة، أملاً في تحسين أوضاعهم المعيشية ومساعدة أسرهم.
لكن الحرب أضافت إلى هذه المشقة مخاطر أخرى، فأصبح العامل الذي يخرج بحثاً عن رزقه معرضاً لمخاطر لا علاقة له بصناعتها. وهنا تبرز ضرورة حماية المدنيين، والتحقق من ملابسات القصف الذي أودى بحياة المعدّنين، وتحديد الجهة المسؤولة عنه، وضمان محاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون.
إن دماء المدنيين لا ينبغي أن تضيع وسط ضجيج المعارك، ولا يجوز أن تتحول أخبار سقوطهم إلى أرقام عابرة في نشرات الأخبار. فلكل ضحية أسرة تنتظر عودته، وأحلام لم تكتمل، وحياة كان من حقه أن يعيشها بأمان وكرامة.
ولا تنفصل هذه المأساة عن الواقع الاقتصادي الذي يعيشه السودان؛ فحين تتراجع فرص العمل، وتتدهور القدرة الشرائية، وتزداد أعباء المعيشة، يجد كثير من الشباب أنفسهم مضطرين إلى خوض أعمال شاقة ومحفوفة بالمخاطر. لذلك فإن حماية العاملين في التعدين يجب أن تترافق مع تحسين ظروف العمل، وتوفير بدائل اقتصادية، وإتاحة فرص التعليم والتدريب للشباب.
لكن وسط هذه القضية الكبيرة، تبرز حكاية شاب اسمه الطيب، لتمنح المأساة وجهاً إنسانياً يصعب نسيانه.
الطيب.. الشاب الذي كان ينبغي أن يكون في مقاعد الدراسة
لم يكن الطيب مجرد اسم بين أسماء الضحايا. كان شاباً كان ينبغي أن تكون مقاعد الدراسة مكانه، وأن تشغله أحلام المستقبل، لا أعباء الديون والبحث المضني عن لقمة العيش.
لكن ظروف الحياة دفعته إلى العمل في التعدين الأهلي، بحثاً عن رزق يعينه على مواجهة أعباء المعيشة. خرج يسعى إلى حياة كريمة، غير أن حكايته انتهت بمأساة تركت وراءها أسئلة موجعة، وألماً لا تستطيع الكلمات أن تصفه كاملاً.
وما يزيد الحكاية وجعاً أن الطيب، بحسب ما رُوي عن وصيته، ترك وراءه ديوناً أوصى بسدادها بما يملك: كيلين من السمسم وخمسة جوالات من العيش.
تأملوا هذه التفاصيل البسيطة التي تحمل في داخلها حزناً عميقاً!
شاب يرحل عن الدنيا، ولا يترك وراءه ثروة أو أموالاً طائلة، بل وصية متواضعة تتعلق بسداد ديونه. كأنه كان يحمل همّ الوفاء بالتزاماته حتى آخر لحظاته، ويريد ألا يترك لمن بعده عبئاً لم يستطع أن يرفعه عن كاهله في حياته.
كم كان يتمنى أن يعود من رحلة العمل، ويسدد ما عليه، ويواصل حياته! وكم كان ينبغي أن تتاح له الفرصة ليكمل تعليمه، ويصنع مستقبله، ويعيش شبابه كما يعيش أقرانه!
إن قصة الطيب تختصر معاناة شريحة واسعة من الشباب السوداني الذين دفعتهم الحاجة إلى تقديم لقمة العيش على التعليم، وإلى تحمل مشاق العمل ومخاطره في سبيل إعالة أنفسهم وأسرهم.
وعندما نستحضر اسم الطفل الفلسطيني محمد الدرة، فإنما نستحضر رمزاً إنسانياً ارتبط في ذاكرة العالم بوجع الأبرياء الذين تحاصرهم مشاهد العنف. ويمكن أن تذكّرنا حكاية الطيب، بطريقتها الخاصة، بمدى هشاشة حياة الإنسان حين يصبح محاصراً بالخوف والحاجة. لكن الطيب له حكايته السودانية الخاصة، التي تستحق أن تُروى وتُسمع، بعيداً عن الحاجة إلى مقارنات كبيرة حتى ندرك حجم المأساة.
الطيب ليس رقماً في حصيلة الضحايا، بل إنسان كان له مستقبل يستحق أن يعيشه.
إن رحيله يدفعنا إلى طرح أسئلة تتجاوز الحادثة نفسها: لماذا يجد شاب في عمر الدراسة نفسه مضطراً إلى البحث عن الرزق في ظروف خطرة؟ وأين فرص العمل التي تتيح للشباب إعالة أسرهم دون أن يضطروا إلى المخاطرة بحياتهم؟ وما مسؤولية الجهات المعنية في حماية العاملين في مناطق التعدين؟
هذه الأسئلة لا تُغني عن التحقيق في ملابسات القصف، بل تجعل كشف الحقيقة أكثر إلحاحاً. فمن حق أسر الضحايا معرفة ما حدث، ومن حق المجتمع أن يعرف الظروف التي أدت إلى سقوط هؤلاء المدنيين، ومن واجب الجهات المختصة إجراء تحقيق جاد وشفاف، ومحاسبة المسؤولين إذا ثبتت إدانتهم.
يا أهل السودان، تخيلوا أن الطيب كان واحداً من أبنائكم. تخيلوا أسرة تنتظر عودته، وديوناً كان يأمل أن يسددها، وأحلاماً ربما لم تتح له الفرصة حتى ليرويها لمن حوله. ثم تخيلوا أن كل ما بقي من رحلته هو ذكرى موجعة ووصية صغيرة: كيلان من السمسم وخمسة جوالات من العيش.
إنها تفاصيل تختصر قسوة الحياة حين يجتمع الفقر مع الحرب، وتذكّرنا بأن وراء كل ضحية حكاية تستحق الإنصات، وأسرة تستحق المواساة والإنصاف.
رحم الله الطيب وسائر الضحايا، وربط على قلوب أسرهم، وأظهر الحقيقة، وأنصف المظلومين.
كان ينبغي أن يكون الطيب في مقاعد الدراسة، وأن يكون همه امتحاناً ينتظر نتيجته، لا ديناً يوصي بسداده. كان يستحق أن يعيش، وأن يحلم، وأن يعود إلى أهله سالماً.
فالذهب الذي يبحث عنه الناس قد يكون ثروة في باطن الأرض، لكن الإنسان هو الثروة الحقيقية. وإذا لم نحفظ حياته وكرامته، فما قيمة كل ما نملكه من ثروات؟

زر الذهاب إلى الأعلى