
رحاب مبارك سيد أحمد
المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان
ما لاشك فيه، وبات واضحاً للجميع حجم التدخل المصري في الشأن السوداني، بكل ماتحمل هذه الكلمة من معني، حتى أضحت مصر بعد حرب ١٥ ابريل الحاكم الفعلي للسودان، وذلك بعد أن وضعت الحبل علي عنق عبدالفتاح البرهان، ليمثل دور الحاكم الاقليمي الموفد من قبلها.
وصلت مصر لمسعاها، بعد أن قامت بعمل تخريبي كبير وممنهج داخل الحياة السياسبة المدنية إبتداءً بمعاداة الثورة السودانية التي قامت لأجل إقتلاع نظام الاخوان المسلمين الوافدة الينا من مصر، وهنا تبرز المفارقة الكبيرة، فمصر التي تعيش من زمن في مواجهة مفتوحة ضد الإسلاميين في مصر، تعمل على دعمهم وتثبيتهم في السودان.
و من هنا يبرز السؤال الأهم: لماذا تدعم مصر أخوان السودان؟.. بالتأكيد ليس لتوافق فكري آيدولجي، فالأمر مرتبط بمسألة المصالح، ومن مصلحة مصر أن يكون نظام الحكم في السودان، نظاماً أمنياً قادر على بسط نفوذه في الداخل، ومعزولاً دولياً، حتى يسهل التحكم فيه، ونظام الإسلاميين يمثل النموذج الأمثل.
ولذلك كانت مصر هي الفاعل الرئيسي في إنقلاب البرهان المدعوم بواسطة المؤتمر الوطني علي حكومة الثورة، الحكومة التي عجزت من وضعها تحت جناحها والسيطرة عليها، لذلك دعمت مصر عساكر السودان بكل قوة وحاولت صنع تمثال لحكومة مدنية يترأسها حمدوك وتخصع لعسكر السودان وهندسة المشروع عبر ترزيها الوفي نبيل أديب.
ولكن فشل أيضاً هذا المسعي بسبب مقاومة الشعب السوداني لإنقلاب البرهان منذ الساعات الأولى وتنصل حمدوك من إلتزامه تجاه العسكر بعد إتساع مقاومة الإنقلاب في شوارع الخرطوم والولايات.
وخلال تسعة أشهر فقط، تكبدت مصر خسائر كبيرة بعد أغلاق الثوار لطريق شريان الشمال وإيقاف الصادر والوارد وتجفيف منابع الإستنزاف. وذلك بسبب سلوكها تجاه السودان.
بعدها شرعت مصر مباشرة في فض ترس الشمال بقوة العسكر السودانيين التابعين لها وفتحت طريق الاستنزاف ليعمل بنفس الطريقة السابقة لقيام الحكومة المدنية.
وحينما ضاق الأمر على الإنقلاب في الداخل، وبدأت الضغوط الخارجية تدفع اتجاه عودة الحكم المدني سارعت مصر لبناء كتل مناوئة للكتل المدنية تتبني مشروعها السلطوي ومشروع الحكم الديكتاتوري العسكري في السودان ولكن بصيغة مدنية.
وكفلت مصر جنينها المتبني الذي ولدته لها الجيوش السودانية وأسمته الكتلة الديمقراطية وغنّجته ودلّلته وأصبح هو أداة ضغطها لأجل خلخلة تماسك القوة المدنية داخل السودان، فعبرها عقدت مصر عشرات المؤتمرات التي تهدف الي إضعاف القوة المدنية وإفراغها من محتواها الداعم لمطالب ثورة ديسمبر المجيدة.
وحاولت وظلت تحاول حتي الآن فرض مشاركة قوي النظام البائد في الحكومة المدنية لتعيد تدوير نظام الانقاذ الراعي لمصالحها من جديد ولكنها لم تنجح حتي الآن.
مصر التي تتدعي وقوفها إلي جانب الشعب السوداني في إيقاف الحرب، إدعائها مشروخ ومردود عليها بسبب دعمها المباشر لهذه الحرب، بل وفتحت درب حروب المحاور المخفية لتدخل الإمارات بثقلها لحماية مصالحها، وذلك بدعم حكومة الدعم السريع حتى صار السودان ميدان مفتوح لحرب إقليمية تدار من خلالها مصالح دول المحاور علي حساب إنسان السودان.
اما التآمر علي القوي المدنية فمازال حاضراً وموجوداً طالما أنها العقبة الكؤود التي ظلت تنادي بالحكم المدني الذي ترفضه مصر في جنوب الوادي جملة وتفصيلاً، فبعد حملات التخوين والمضايقات الامنية الآن تعمل علي نشر المعلومات المضلله بأن حمدوك ووممثلين من صمود قامو بزيارة لإسرائيل، في خطوة أعدت لها العدة بالحجز علي الاستاذ بابكر فيصل متعللة بحجة الغرض منها صنع الشائعات لتشويه الصورة الجيدة التي بدأت تتشكل في ذهنية الشعب السوداني عن القوي المدنية التي تدعم السلام وترفض الحرب.
ولكن بالإشاعات لاتحكم الشعوب ولو كان مصدرها مواقع الكترونية مثل آفريكا إنتليجانس وتظل الحقيقة الوحيدة الباقية التي يجب تفهمها مصر وكل العالم الذي يشاهد، أن هذه القوي المدنية هي التي ستخلص الشعب السوداني من أزماته المحلية الاقليمية التي صنعها الاستعمار، وسيصبح السودان حراً أبياً محكوماً بأرادة أبنائه لا بأمزجة الجوار، وسيحكم السودان وبالحكم المدني الديمقراطي.



