حكومة لا تغضب تجاه انتهاك حدودها وقتل مواطنيها لا تستحق أن تحكم السودان – محجوب ابراهيم الخليفة mhgoub33@gmail.com

▪️أيُّ حكومة هذه التي يٌقتل رعاياها، وتُنتهك حدود بلادها، وتُثار الاتهامات بقصف أراضيها بطائرات دولة أخرى هي مصر تحديدا ، ثم لا يسمع شعبها صوت احتجاج يليق بفداحة الجريمة، ولا يرى موقفاً رسمياً يوازي حجم الدم المسفوك؟ وأيُّ سيادة وطنية تلك التي تُرفع شعاراتها الحكومة في المنابر، ثم تبدو عاجزة عن الدفاع عن أبسط حقوق المواطنين في الحياة والأمان؟
▪️ما حدث في منطقة شمال الوادي، وفقاً للتقارير والشهادات المتداولة، ليس حادثاً عابراً يجوز أن يُطوى بالصمت، ولا واقعة يمكن أن تُدفن تحت ركام المجاملات السياسية والحسابات الدبلوماسية. نحن أمام مأساة سودانية موجعة، تتحدث التقارير بشأنها عن غارات جوية نُسبت إلى الطيران العسكري المصري، استهدفت مناطق يعمل فيها معدّنون سودانيون، وأسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى. وبينما تتباين حصيلة الضحايا، فإن فداحة ما نُقل عن الواقعة تفرض على الدولة أن تتحرك، وأن تكشف الحقيقة، وأن تضع حماية مواطنيها فوق كل اعتبار.
دماء السودانيين ليست تفصيلاً في العلاقات السياسية
▪️هؤلاء المعدّنون الذين غادروا قراهم وأسرهم بحثاً عن لقمة العيش لم يحملوا إلى شمال الوادي أحلاماً بالثراء وحده؛ حملوا أعباء أسر تنتظر عودتهم، وأطفالاً يتطلعون إلى آبائهم، وأمهاتٍ يقتسمن معهم قسوة الحياة وأمل النجاة من الفقر. ▪️بعضهم ربما خرج من منزله مودعاً أسرته على أمل العودة بعد أيام، فإذا بالخبر الذي يصل إلى أهله جثامين أو أسماء مفقودين أو إصابات لا تجد العلاج الكافي.
▪️أيُّ ذنب اقترفه هؤلاء ليستحقوا هذا المصير؟ وإذا كانت هناك مخالفات تتعلق بالتعدين أو الحدود أو التهريب، فأين القانون من ذلك كله؟ وهل تصبح المخالفة المزعومة حكماً بالإعدام يُنفذ من الجو، من دون إعلان أدلة، أو إجراءات قضائية، أو ضمانات تحمي أرواح المدنيين؟
▪️ وجود شبهة مخالفة قانونية لا يمنح أي جهة تفويضاً مفتوحاً لسفك الدماء. وإذا ثبت أن الهجوم وقع داخل الأراضي السودانية ونفذته طائرات عسكرية مصرية، فإن الأمر يتجاوز سقوط الضحايا إلى سؤال بالغ الخطورة يتعلق بسيادة السودان وحقه في حماية أرضه ومواطنيه. وهذه مسائل لا تُحسم بالبيانات المتأخرة أو التبريرات السياسية، وإنما بالتحقيق المستقل والأدلة والمساءلة.
▪️أين مجلس السيادة؟ وأين الحكومة؟…الغضب الشعبي لا يتجه إلى الجهة التي نُسب إليها الهجوم وحدها، بل يمتد إلى مجلس السيادة والحكومة السودانية، اللذين تقع على عاتقهما مسؤولية توضيح ما جرى واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية البلاد.
▪️أين البيان الرسمي الذي يضع الرأي العام أمام الحقيقة؟ وأين الاحتجاج الدبلوماسي الواضح؟ وأين التحرك العاجل للتحقق من موقع الهجوم، وتوثيق الضحايا، وإنقاذ الجرحى، وحصر المفقودين، ومطالبة الجانب المصري بتفسير رسمي لما حدث؟
▪️أين وزارة الخارجية من واجبها في استدعاء السفير المصري وتقديم احتجاج رسمي تجاه انتهاك الأراضي السودانية؟ وأين المؤسسات العسكرية والأمنية من مسؤوليتها عن مراقبة الحدود ومنع تكرار مثل هذه الوقائع؟ وأين مؤسسات الدولة من أسر فقدت أبناءها، ومن مصابين يحتاجون إلى العلاج، ومن مواطنين يعيشون الخوف على أرواحهم في مناطق التعدين؟
▪️ غياب الموقف الرسمي الواضح، كما تعكسه التقارير المنشورة حتى الآن، يفتح أبواباً واسعة للشكوك والأسئلة. والشعب الذي يعيش حرباً مدمرة منذ أبريل 2023 لا يحتمل أن يجد نفسه مضطراً إلى البحث عن الحقيقة في شهادات الناجين ومقاطع الهواتف ووسائل الإعلام الأجنبية، بينما تلتزم مؤسساته الرسمية الصمت.
▪️الصداقة بين الدول مهما كانت متانتها لا تعني الصمت عن الدماء لانها فى مثل هذه الحالة تعني ضعفا وهوانا وإذلالا.
▪️مصر دولة جارة تربطها بالسودان علاقات تاريخية واجتماعية ومصالح مشتركة، لكن الجوار لا يمنح أحداً حق انتهاك السيادة، والصداقة لا تبرر إهدار دماء المواطنين، والعلاقات الاستراتيجية لا يجوز أن تتحول إلى حصانة سياسية تمنع المساءلة.
▪️نحن لا ندعو إلى العداء مع الشعب المصري، ولا إلى إشعال فتنة بين شعبين جمعتهما وشائج التاريخ والنيل والمصالح والمصاهرة. نحن ندافع عن حق السودان في السيادة والكرامة، وعن حق المواطن السوداني في الحياة، وعن واجب الدولة في ألا تسمح بتحويل أراضيها إلى مساحة مستباحة.
▪️الدبلوماسية الحكيمة لا تعني التنازل عن الحقوق، وضبط النفس لا يعني تعطيل الواجب، والحفاظ على العلاقات لا يعني التضحية بكرامة الوطن. تستطيع الدولة أن تحافظ على علاقاتها مع جيرانها، وأن تطالبهم في الوقت نفسه باحترام حدودها، وأن تحتج على أي تجاوز، وأن تطلب تحقيقاً مشتركاً أو مستقلاً، وأن تلجأ إلى الآليات الإقليمية والدولية إذا اقتضت الضرورة ذلك….أما أن يُترك المواطن السوداني لمصيره، وتُترك أسر الضحايا لوجعها، وتُترك الاتهامات بلا تحقيق معلن، فذلك مسار لا يصنع سلاماً ولا يحفظ علاقة، وإنما يراكم الاحتقان ويهدم الثقة في مؤسسات الدولة.
▪️السيادة مسؤولية وليست شعاراً نعم السيادة الوطنية لا تُقاس بعدد البيانات العسكرية، ولا بالخطب التي تتحدث عن عزة السودان، ولا بالشعارات التي تُرفع أمام الكاميرات. ▪️السيادة فعلٌ يومي يحمي الحدود، ويصون الأرواح، ويمنع الاعتداء، ويحاسب كل من يثبت تجاوزه للقانون، أياً كانت جنسيته أو موقعه أو قوة الدولة التي ينتمي إليها.
▪️وإذا كانت الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها في مناطق التعدين النائية، فإن واجبها الأول هو الاعتراف بالقصور ومعالجته، لا ترك الأسئلة معلقة. وإذا كانت المعلومات المتاحة غير كافية لتحديد المسؤولية، فإن واجبها أن تبدأ التحقيق فوراً، وأن تعلن نتائجه للرأي العام، لا أن تجعل غياب المعلومات ذريعة لغياب الموقف.
▪️لقد دفع السودانيون أثماناً باهظة من دمائهم وأمنهم وأرزاقهم خلال سنوات الحرب. نزح الملايين، وفقدت أسر أبناءها، وتعرضت مدن وقرى للتدمير، وأصبح البحث عن لقمة العيش رحلة محفوفة بالموت. وليس مقبولاً أن يواجه المواطن السوداني الخطر داخل وطنه، ثم يواجه الصمت من مؤسسات يفترض أنها أُنشئت لحمايته.
الشعب يريد موقفاً يليق بكرامته
نريد من مجلس السيادة والحكومة موقفاً واضحاً لا يحتمل التأويل تحقيقاً مستقلاً وشفافاً في هجوم شمال الوادي، وإعلاناً رسمياً بنتائجه، وإحصاءً موثقاً للقتلى والجرحى والمفقودين، ورعاية عاجلة للمصابين، وتعويضاً عادلاً للمتضررين، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أي انتهاك.
ونريد تحركاً دبلوماسياً معلناً يتناسب مع خطورة الاتهامات، ومطالبة رسمية بتوضيح ما جرى، وضمانات تحول دون تكرار الحوادث، وإجراءات عملية لحماية الحدود والمواطنين. وإذا أثبت التحقيق وقوع اعتداء على الأراضي السودانية، فعلى الدولة اتخاذ ما يلزم من خطوات قانونية ودبلوماسية لحفظ حقوقها وحقوق الضحايا.
▪️هذه ليست مطالب المعارضة وحدها، ولا أصوات الغاضبين على منصات التواصل، وإنما حقوق أصيلة لشعب يريد أن يشعر بأن وراءه دولة، وأن دمه ليس رخيصاً، وأن كرامته ليست موضوعاً قابلاً للمساومة.
▪️حكومة لا تغضب لدماء شعبها، ولا تتحرك لحماية حدودها، ولا تضع الحقيقة أمام مواطنيها، كيف تطلب منهم الثقة والولاء؟
▪️ الحكم مسؤولية قبل أن يكون سلطة، وتكليف قبل أن يكون امتيازاً. ومن يتولى أمر السودان مطالب بأن يبرهن، بالفعل لا بالقول، على أن حياة السودانيين أولوية لا تقبل التأجيل، وأن أرض السودان ليست مباحة، وأن العلاقات الخارجية لا تعلو على حقوق المواطنين.
▪️فإذا ثبت وقوع الاعتداء، وجب الاحتجاج والمساءلة وصون السيادة. وإذا ثبت التقصير الرسمي، وجبت المحاسبة. وإذا عجزت الحكومة عن أداء واجبها، فمن حق الشعب أن يسائلها عن أهليتها للاستمرار،فالسودان أكبر من أن يُحكم بالصمت، ودماء أبنائه أغلى من أن تُترك رهينة الحسابات السياسية.



