نزار السمندل
كل مدينة تسكنها؛ تمنحك بعضاً من ملامحها، ولكن قلّة من المدن تستطيع أن تعيد صياغتك بالكامل، أن تجعل منك نسخة أخرى من ذاتك، أعمق وأوسع.
على هذا الأساس؛ لم تكن فرانكفورت مجرّد محطة دراسية للدكتور حيدر إبراهيم، بل لحظة كونية تتسربّ إلى الروح وتعيد تشكيلها من جذورها.
فرانكفورت، كما كتب حيدر، لم تكن إسمنتاً وحديداً، بل امرأة في الأربعين من عمر شبابها، تمشي على ساقين رشيقتين، بشَعر أشقر ينساب بفوضى خلّاقة. أحبّها هكذا، ووصفها هكذا. ليست جغرافيا فحسب، بل حالة وجدانية، مدينة ساحرة، امرأة فاتنة تهمس في أذن القادم إليها من الجنوب.
وصل حيدر إلى أوروبا في خضم غليان عام 1968، زمن الحلم المتأجج، وتمرّد الطلبة، وولادة “اليسار الجديد”. هناك، كان ماركوزه يطرح مفهوم “الحساسية الجديدة”؛ تلك الحساسية التي تنبذ النفاق، وتفضح الكبت، وتبحث عن الإنسان الكامل في مواجهة آلة السلطة والاستهلاك.
وفي فرانكفورت، التقى هذا الوعي الجديد بوعي حيدر القادم من عالم مثقل بإرث الاستعمار، مشدود بحنينٍ دفّاق إلى الحرية، وقلق متأصل نحو العدالة.
عاش هناك المعاناة والمعنى في آن واحد، تقاطع النضال السياسي مع البحث الأكاديمي، وتلاقت الدراسة مع المظاهرات، والتضامن مع قضايا العالم الثالث مع أطروحة الدكتوراه التي انكبّ عليها كراهب على صلاته السرية.
لم تكن قضيته مجرد “وطن بعيد”، بل الخريطة كلها، من فيتنام إلى جنوب إفريقيا، من فلسطين إلى تشيلي، كانت جزءاً من قلبه الذي يخفق بحثاً عن العدالة والكرامة.
خلف هذا الزحام، كان هناك حنينٌ متوارٍ؛ حنين إلى وجه قديم، إلى حبّ ظلّ حيّاً في الهامش، إلى حضور أنثوي يترصّد غيابه. عاش حيدر تجربة عاطفية عاصفة في فرانكفورت؛ ليست رواية رومانسية، بل مشهد عظيم للقلق، للصراع الدائم بين الحلم والخذلان. خرج من تلك العلاقة بجراح غير مرئية، لكنها جراح ضرورية، لأنها قادته إلى المصالحة.
عاد إلى “ينبوع القلب الأول”، إلى الحبيبة التي ظلّت تنتظره بلا ضجيج، فتزوّجها. ومن هذا اللقاء الصامت، وُلدت العائلة: حياة، مظفّر، وأنديرا… صاروا “قرّة عينه”، كما كتب.
تلك هي “الولادة الثانية”. لكنها ليست مجرد انتقال من العزلة إلى الحب، بل من القلق إلى النضج، من الانكفاء إلى المسؤولية. ولعلّ أجمل ما في هذه المرحلة أن حيدر لم يخن الطفل الذي كانه، ولا اليساري الذي ناضل، بل وسّع أفقهما، جمعهما في قلب واحد، في سلوك بسيط، في موقف لا يحتاج إلى شعارات.
المدينة التي أعادته إلى الحياة منحته أيضاً إحساس المنفى. كلما ازداد وعياً، ازداد شعوره بالغربة. وكلما اقترب من ذاته، ابتعد عن عالمه القديم. وحين قرّر العودة إلى السودان، كانت العودة لا تشبه العودة، كانت أكثر ثقلاً وأكثر وعياً، أكثر عمقاً… وأكثر حذراً من الجروح التي لم تندمل بعد.



