الأعمدة

الفرحة في حياتنا

عبد الكريم البليخ
الفرح في حياة الإنسان حالة سيّالة، تتبدّل ملامحها بتبدّل النفوس التي تلامسها، وبالظروف التي تحتضنها أو تخنقها. إننا لا نفرح وحدنا تماماً، كما لا نحزن وحدنا؛ فمشاعر الآخرين تتسرّب إلى أفراحنا كما تتسرّب الظلال إلى الضوء، فتُكسبه أحياناً عمقاً، وأحياناً أخرى تُعكّر صفاءه. لذلك، حين يحقق المرء إنجازاً، أو يتذوق طعم الحب، أو يلامس حلماً طال انتظاره، فإن صدى التهاني الذي يحيط به لا يكون دائماً نقياً؛ إذ قد يمتزج بشيء خفي من المقارنة أو الغيرة.
الحب الذي لا ينتظر مقابلاً، ولا يقيس نفسه بمدى ما يعود إليه من صدى، هو وحده القادر على أن يبقى حيّاً في وجه تقلبات البشر. إنه طاقة تمنح صاحبها اتساعاً في الرؤية، فيرى الناس بعيون أكثر رحمة، ويسمع أصواتهم كأنها ألحان متباينة لا نشاز فيها، حتى وإن بدت كذلك في ظاهرها. فالحب، في جوهره، ليس علاقة تبادلية بقدر ما هو حالة وجودية، يختارها الإنسان ليحمي بها نفسه من قسوة العالم.
وفي امتداد هذا المعنى، تتجلّى العاطفة في صورتها الأعمق داخل الأسرة، حيث يختلط الحب بالمسؤولية، والرعاية بالقلق على المستقبل. غير أن النضج العاطفي يقتضي أن يتحرر الإنسان من وهم الامتداد؛ فالأبناء ليسوا نسخاً مكررة من آبائهم، ولا مشاريع مؤجلة لأحلامهم. إنهم كائنات تحمل قدرها الخاص، وطموحاتها التي قد تتجاوز ما عرفه الآباء أو تختلف عنه جذرياً. حين يُربّى الابن ليكون عضواً فاعلاً في مجتمعه، لا ليكون سنداً مؤجلاً في شيخوخة والديه، وحين تُربّى الابنة لتصنع عالمها الخاص دون أن تُثقل بواجبات عاطفية تفوق طاقتها، عندها فقط تتحرر العاطفة من أنانيتها الخفية، وتتحول إلى فعل إنساني خالص.
غير أن هذا الصفاء يظل مهدداً بفلسفة اجتماعية مرهقة، قائمة على الخوف المتبادل والتوقعات الثقيلة. فكل علاقة إنسانية تكاد تُبنى اليوم على هاجس الفقد أو التبدّل: الأب يخشى عقوق ابنه، والأم تخشى نسيان ابنتها، والزوجان يتوجسان من انزلاق المشاعر تحت ضغط المادة أو الملل، وحتى الأبناء يحملون في أعماقهم قلقاً مبهماً حول ما سيكون عليه مستقبلهم العاطفي. وهكذا، يتحول الحب من ملاذ إلى عبء، ومن طمأنينة إلى مصدر توتر دائم.
وفي ظل هذا التوتر، تتقدّم الماديات لتحتل موقع الصدارة، لا بوصفها وسيلة للعيش، بل كغاية تُزاحم القيم الإنسانية. فينشغل الأب عن أبنائه، ويغرق الشاب في لذّاته المؤقتة، وتفقد العلاقات دفئها تدريجياً، وكأن الإنسان، في سعيه المحموم نحو الأمان، يبتعد أكثر فأكثر عن مصدره الحقيقي.
ومع ذلك، يبقى الأمل كامناً في قدرة الإنسان على إعادة تعريف فرحه. ليس الفرح فيما نملكه أو فيما يراه الآخرون فينا، بل فيما نستطيع أن نمنحه دون انتظار، وفي قدرتنا على أن نحب رغم كل شيء. فالحياة، رغم ما تفتحه من أبواب للتعب، تظل تتيح للقلب أن ينفتح على أمل دائم، وأن يعيد اكتشاف الفرح بوصفه موقفاً داخلياً، لا مجرد حدث عابر.

زر الذهاب إلى الأعلى