الأعمدة

عالم اتسع ثم ضاق ..! (ليت الطفولة عاودتنا )

استيقظت من غفوة الطفولة الاولى اتلمس طريق الصبا في ضباب كثيف الجهل بما هو أبعد من محيط تلك القرية الصغيرة التي شهدت مسقط راسي ..حيث لم اجد ابي بقربي ولا حتى امي .
كانت جدتي وجدي وخالي وخالتي ومجموع الأقارب والجيران وكل من في القرية هم اهلي وقد أصروا بإلحاح على استبقائي معهم حينما ذهبت امي مع والدي إلى قريته بعد ولادتها الثالثة فأصبح حملها كبيرا عليها لصغر سنها في ذلك الزمن فاقسمت جدتي أن تربيني من قبيل حرصها على تخفيف العبء على بنتها في بيت الزوجية الذي كان يعتبر غربة رغم أن الفرق بين القرية التي انتقلت منها والتي انتقلت إليها كان أقل من أربعة كيلو مترات .
كانت قرية جدي وجدتي المسماة حاج السيد تتكون من خمسين منزلا أو نحو ذلك وتنقسم من ناحية الشمال إلى جزء قائم بذاته يسمى ود زروق يفصل بينهما بئر الماء ..وهناك قرية أخرى مجاورة تقع ناحية الجنوب هي حلة الشيخ البصير وفيها تلقيت علوم القران الاولى على يد الفكي على محمد دفع الله ..بينما يفصل هذه الثلاثية القروية مصرف لمياه الأمطار من ناحية الشرق حيث قرية الحليلة بانقا التي انشئت فيها مدرستي الاولاد والبنات الصغريين ..فجاء والدي مخصوص واخذني من يدي ليسجلني في مدرسة البنين التي كانت تتكون من ثلاثة فصول فقط وناظرها شيخ بابكر الامين من ابوعشر و شيخ عبد الماجد محمد احمد وشيخ محمد نور سليمان وهما من مناقزا تلك القرية التي ظلت تعيش فيها امي في كنف والدي ووالديه .
لم أكن أتصور أن هنالك عالم اخر بذات السعة التي كنت أراها بعقلي الطفولي وعيوني القصيرة النظر وانا العب مع الصبية في ساحة القرية أمام دكان الخال الهادي محمد الامين حتى اكتشفت عبر الراديو أن هنالك دنيا ابعد من عالمي الاول بدأت تداعب خيالي بأحلام الوصول إليها وقد تعلقت بأصوات المغنيين و المذيعين الذين كانوا في نظري محض اشباح تتمثل في لمبات الراديو التي يشع ضؤوها بين ثقوبه الخلفية ..في وقت كانت ابعد المسافات التي اقطعها خارج محيط القرية مشيا على الاقدام مع خالتي الشابة هي التي تأخذنا إلى نقطة الغيار بمكتب تفتيش دلقا وهي القرية التي نمر بطرفها ولا أذكر اننا قد دخلناها مرة في غدونا ورواحنا لأخذ إبرة علاج البلهارسيا ذلك المرض الذي ظل مستوطنا ردحا من الزمان في الجزيرة وكنا نحن الصبية نتقاسمه بعدالة بحكم ادماننا على السباحة في الترع غير عابئين بالعقوبات التي ننالها من الكبار خوفا علينا من الغرق الذي اختطف بعضا منا في عهد كانت تلك الترع بالعمق الذي يتجاوز اعوادنا القصيرة الغضة .
حقا كان عالما أوسع من براحات خيالنا المحدودة الرؤى في ذلك الزمان
ولكننا كبرنا وتنقلنا في عوالم أخرى مختلفة و كنا نظنها ستكون واسعة .
ولكنها كانت أضيق بكثير من أفق خيالنا الذي اتسع حنينا لضيق ذلك الزمان الاول الذي مضى ولن يعود ابدا !

زر الذهاب إلى الأعلى