
(موطئ قلم)
محمد عبد الله برقاوي
لا يمكن بالطبع تجاهل التأثير المتوقع للتطورات الأمنية المتسارعة في محيط البحر الأحمر على مجريات حربنا الحالية، خاصة في أعقاب الضربات الأخيرة التي شنتها جماعة الحوثي على الشقيقة المملكة العربية السعودية، بالتزامن مع تعرض مناطق التعدين على الحدود السودانية المصرية لضربات أوقعت أعدادًا كبيرة من الضحايا. ولم تنكر القاهرة قيامها بما تمليه عليها مسؤوليتها عن حماية ما وصفته بأمنها الوطني، معتبرةً أن الأمر يتعلق بشؤون داخل أراضيها.
وفي المقابل، اكتفت سلطة الأمر الواقع في السودان بالإمساك بالعصا من منتصفها، محاولةً امتصاص ردود الفعل الداخلية، دون إغضاب الحليف الذي يقف إلى جانب الجيش السوداني في هذه المعادلة المعقدة.
أما ما يُسمى بحكومة تأسيس، فقد جاء رد فعلها، على لسان قائد قوات الدعم السريع، أقرب إلى التهديد بالتصدي لأي غارة مماثلة تستهدف الأراضي السودانية ومواطنيها في مناطق التعدين أو غيرها. وهو موقف يبعث على التساؤل عن مصدر القوة التي يستند إليها الدعم السريع في إطلاق مثل هذا الوعيد الخطير وما إذا كانت الأنباء المتداولة عن قدوم إمدادات عسكرية نوعية تحاول الدخول عبر المثلث الحدودي بين ليبيا ومصر، من الناحية الغربية المفتوحة على حدود دارفور الكبرى، صحيحة أم لا، في ظل غياب أي تفاصيل مؤكدة.
وفي الأثناء، يحتدم السجال الإعلامي بين القوتين المتحاربتين؛ فالجيش يتحدث عن انتصارات حققها في محور كردفان تمهيدًا للزحف نحو تحرير دارفور، بينما يدّعي الدعم السريع فتح جبهات أخرى في محاور النيل الأزرق، وربما غيرها. وهو تصعيد إعلامي اعتدناه مع كل جولات الكر والفر بين الطرفين، كلما ارتفعت وتيرة الحرب أو خفت غبارها في مراحل أخرى.
لكن ما يبدو محيرًا حقًا هو تكتم قائد قوات الدعم السريع وأركان حربه على طبيعة استعداداتهم، وكيف يمكنهم التحول إلى درع يحمي حصنهم الأخير، المتمثل في الأجزاء التي ما زالوا يسيطرون عليها من إقليم دارفور. كما يظل الغموض قائمًا بشأن طبيعة الحياة العامة في مناطق سيطرتهم، من حيث الأوضاع الاجتماعية والمعيشية والاقتصادية والخدمية.
وفي الجانب الآخر، يبدو قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة مسترخيًا في تحركاته وسط قطاعات من الشارع العام، يهز سيف النصر، مبتسمًا في وجوه المهللين له، وكأنما يريد أن يبعث برسالة مفادها أن الأمن قد بُسط، وأنه بات في مأمن بين المواطنين.
فتارةً نراه يحتسي مشروبًا شعبيًا في الطريق العام، وتارةً يجلس على إطار سيارة لمشاهدة مباراة كرة قدم في ميدان ترابي مفتوح، وتارةً أخرى يوزع أوراق اللعب مع جنوده!
وكأن البلاد قد طوت صفحة الحرب، وتنفس أهلها الصعداء من أزماتها الأمنية والاقتصادية، وانفرجت أسارير الحياة المعيشية، والتقط الجنيه السوداني أنفاسه بعد أن ظل يلهث وراء الدولار الذي هز القائد العام سيفه متجهمًا في وجه دولة تلك العملة الحاكمة لجنيهنا في موقف بدا أقرب إلى الاستخفاف منه إلى التهديد على خلفية منعه من دخول الأراضي الأمريكية!
إنها صور ومشاهد تزيد من تعقيدات هذه الحرب، التي ستدفع تطورات الأزمات في محيطها الإقليمي إلى مزيد من التجاهل الدولي لها بينما يظل السؤال المحير في الداخل يفرض نفسه بقوة:
من هو السيف الحاد الذي تتصل به القوة، وما حقيقة الدرع المقابل له؟
سؤال ينتظر إجابة قد يطول زمن الوصول إليها، ويظل الوطن والمواطن وحدهما يدفعان ثمن الانتظار، ما لم يعقل الجميع ركاب الحرب، وينزلوا عنها إلى مناخ السلام، الذي ستظل تكلفته أقل باضعاف من تكلفة القتال، مهما بلغت قيمة التنازلات التي يتطلبها ثمنًا له.
والله من وراء القصد.



