الأعمدة

العدوان المصري.. مكافحة التعدين العشوائي أم التمهيد للتوغل العسكري؟

بقلم – محمد الهادي
تثير الضربات الجوية المصرية التي استهدفت معدّنين سودانيين في شمال السودان، بالتزامن مع تقارير عن حشود عسكرية وتحركات جوية استطلاعية قرب الحدود، تساؤلات بشأن احتمال انتقال التحركات المصرية من استهداف مواقع التعدين إلى عملية عسكرية أوسع داخل الأراضي السودانية. ويكتسب هذا الاحتمال أهمية في ضوء إعلان الجيش المصري مواصلة المرحلة الثالثة من حملته ضد التعدين غير القانوني، والتصريحات المصرية بشأن التنسيق بين القوات البرية والجوية والاستخباراتية لملاحقة أنشطة التعدين والتهريب.
وتطرح هذه التطورات فرضية: هل يمكن أن تستخدم القاهرة مكافحة التعدين العشوائي وعصابات التهريب مبرراً لعملية عسكرية تتجاوز حماية الحدود إلى فرض واقع أمني جديد داخل شمال السودان، بما يتيح لها توسيع نفوذها في منطقة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية؟
توسيع العمليات العسكرية
استهدفت غارات جوية مصرية، في يونيو وأكتوبر 2026، مواقع للتعدين الأهلي شمال السودان، بينها منطقة جبل عقيدات في نطاق شمال الوادي، على بُعد نحو 20 كيلومتراً جنوب خط العرض 22 شمالاً. وأسفرت الضربات، وفق المعلومات المتداولة، عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المعدّنين السودانيين.
وتزامنت هذه الهجمات مع شهادات لمعدّنين سودانيين عن حشود عسكرية مصرية وتحركات جوية استطلاعية قرب الحدود، في مؤشر على تصاعد النشاط العسكري المصري في المنطقة. وتعزز هذه التحركات، إلى جانب تكرار الضربات الجوية، فرضية التمهيد لعملية عسكرية أوسع داخل الأراضي السودانية، تحت غطاء مكافحة التعدين العشوائي وعصابات التهريب.
وتتصل هذه المؤشرات بإعلان القوات المسلحة المصرية مواصلة المرحلة الثالثة من حملتها ضد التعدين غير القانوني في الصحراء الشرقية، بمشاركة الجيش والشرطة المدنية. وتقدم القاهرة هذه العمليات في إطار فرض السيطرة وحماية الثروات الطبيعية وملاحقة الأنشطة غير القانونية.
قد توظّف القاهرة مكافحة التعدين العشوائي والتهريب ذريعةً لتوسيع عملياتها العسكرية داخل السودان، وفرض واقع ميداني جديد على الحدود. وبهذا الغطاء الأمني، قد تنتقل التحركات المصرية من ملاحقة المعدّنين والمهربين إلى بسط السيطرة على مناطق سودانية غنية بالذهب والموارد الاستراتيجية.
وفي منتصف سبتمبر 2026، تحدث اللواء أركان حرب أسامة عبد الحميد داود، قائد قوات حرس الحدود المصرية، في مقابلة مع قناة “العربية”، عن التنسيق بين قواته والقوات الجوية وأجهزة الاستخبارات في عمليات مكافحة التعدين غير القانوني. وشرح دور الاستطلاع الجوي وجمع المعلومات في تحديد مواقع أنشطة التعدين، بالتوازي مع تحركات الدوريات البرية.
ما الهدف من عملية أوسع؟
وبحسب خبير عسكري وضابط سابق بالجيش السوداني، فإن الضربات الجوية المصرية قد تمهّد لعملية برية واسعة تمتد على طول الحدود بين البلدين، بعمق يتراوح بين 50 و80 كيلومتراً داخل الأراضي السودانية. ويرى الخبير أن مثل هذا التحرك قد يستهدف فرض واقع عسكري جديد في الشريط الحدودي، وتأمين مناطق استراتيجية وموارد اقتصادية، بما يفتح الباب أمام توسيع نطاق النفوذ المصري داخل شمال السودان. ويستند هذا التقدير إلى احتمالات تطور العمليات الجوية إلى تحركات برية مدعومة بحشد القوات والآليات، وتعزيز خطوط الإمداد، وتأمين محاور التقدم، وهي مؤشرات من شأنها أن تعكس انتقال التحرك العسكري إلى مرحلة تتجاوز محاربة التعدين العشوائي.
لكن التداعيات المحتملة لن تتوقف عند ملاحقة المعدّنين أو المهربين. فالتقدم داخل الأراضي السودانية قد يفضي إلى تغيير واقع الانتشار العسكري على الحدود، ويمنح القاهرة نفوذاً مباشراً في مناطق سودانية ذات أهمية استراتيجية واقتصادية. وإذا ارتبط هذا الانتشار بمناطق غنية بالذهب أو بمشروعات تنقيب مقترحة، فستبرز تساؤلات بشأن العلاقة بين الأهداف الأمنية والمصالح الاقتصادية.
الذهب وحسابات القاهرة
تتزامن التطورات العسكرية مع تصريحات متداولة منسوبة إلى مسؤول مصري في قطاع الثروة المعدنية بشأن اتفاقات مع سلطات بورتسودان لاستكشاف الذهب في مناطق من شمال السودان. وإذا ثبتت صحة هذه التصريحات، فإن الكشف عن تفاصيل الاتفاقات ومواقعها وأطرافها يصبح ضرورياً لفهم ما إذا كانت هناك صلة بين المصالح الاقتصادية المصرية والتحركات العسكرية.
قد تؤدي العمليات العسكرية إلى إبعاد المعدّنين السودانيين عن مناطق غنية بالذهب، وتهيئة المجال أمام شركات أجنبية لاستغلالها. وإذا كانت هذه المناطق ضمن امتيازات تنقيب مُنحت لشركات مصرية، فإن تزامن إخلائها مع التحركات العسكرية يثير تساؤلات مباشرة بشأن العلاقة بين العمليات والمصالح الاقتصادية المصرية في شمال السودان.
البرهان واختبار السيادة
تضع التحركات المصرية سلطة بورتسودان أمام سؤال السيادة: ما الذي تريده القاهرة من البرهان مقابل دعمها السياسي والعسكري؟ وهل تشمل التفاهمات بين الطرفين ترتيبات أمنية تسمح لمصر بتوسيع عملياتها داخل السودان؟ تزداد أهمية هذه الأسئلة مع تكرار الغارات على المعدّنين السودانيين ورصد حشود عسكرية وتحركات جوية قرب الحدود، بينما تلتزم سلطة بورتسودان الصمت بشأن طبيعة التنسيق مع القاهرة وحدوده.
المطلوب هو توضيح ما إذا كانت سلطة بورتسودان على علم بالضربات الجوية التي استهدفت المعدّنين، وما إذا جرى تنسيق بشأنها، وما موقفها من شهادات الحشود العسكرية والتحركات الجوية. كما يتعين على القاهرة تحديد الأساس القانوني لعملياتها، وشرح ما إذا كانت تقتصر على الجانب المصري من الحدود أم تشمل تحركات داخل السودان.
إذا كانت مكافحة التعدين والتهريب هي الغاية الفعلية، فينبغي أن تكون هناك حدود جغرافية معلنة للعمليات، وآليات للتنسيق تمنع استهداف المدنيين أو انتهاك السيادة السودانية. أما إذا كانت التحركات تمهد لانتشار عسكري مصري داخل السودان، فإن ذلك يطرح قضية مختلفة تماماً تتعلق باستخدام القوة وإعادة تشكيل الواقع الحدودي.
في النهاية تضع هذه التحركات سلطة بورتسودان أمام اختبار السيادة: هل ستكشف حقيقة ما يجري على الحدود، أم ستترك المجال مفتوحاً أمام عمليات عسكرية مصرية داخل الأراضي السودانية؟ ومع تزامن الغارات على المعدّنين مع الحديث عن مصالح مصرية في قطاع الذهب، تتجاوز القضية مكافحة التهريب إلى مستقبل السيطرة على موارد شمال السودان. ويبقى السؤال: هل تتحرك القاهرة لحماية حدودها، أم لفرض واقع عسكري جديد داخل السودان يتيح لها توسيع نفوذها والوصول إلى موارده؟

زر الذهاب إلى الأعلى