
بقلم: مراقب
يتحول قطاع التعدين في السودان من مجرد مورد اقتصادي إلى ساحة استراتيجية تتداخل فيها “لعنة الحرب”، والمسؤولية السيادية، والصفقات العابرة للحدود. يمر هذا المشهد بتحولات كبرى تمتد من التوترات الحدودية الدامية، وصولاً إلى عقود الاستثمار المشتركة وإعادة تشكيل بنية النفوذ المالي والعسكري في ضفتي وادي النيل.
1. شرخ “شمال الوادي” ومسؤولية البرهان
تتجاوز القراءة العميقة لقتل المعدنيين السودانيين 10 اكتوبر داخل حدود بلادهم مجرد الإدانة الإنسانية؛ إذ يضع القصف الجوي المصري المتكرر الذي أودى بحياة المعدنيين التقليديين “الدهابة” في شمال الوادي العلاقات السودانية المصرية أمام اختبار تاريخي غير مسبوق:
• تأثير “الشرخ” الدبلوماسي والشعبي:
خلّف هذا الاستهداف تصدعاً عميقاً في الوجدان السوداني تجاه القاهرة، ويكشف عن خلل بنيوي في إدارة ملف “التحالف الاستراتيجي” بين البلدين على حساب دماء المواطنين العزل بينما تحركت القاهرة في حادث مقتل مصريين في الخرطوم التي تاخرت في رد فعلها تجاه جريمة قصف مواطنيها “الدهابة” حيث قتل اكثر من 72 وجرح العشرات و تدرج السلطات المصرية هذه العملية العسكرية تحت لافتة “إنفاذ القانون”، مكافحة التهريب، وتأمين الحدود الجنوبية! .
• مسؤولية حماية السيادة:
تتحمل سلطة الأمر الواقع بقيادة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، المسؤولية الأساسية لـعجزها عن حماية مواطنيها، وتأمين ثروات البلاد، وصون سيادتها الوطنية، وصمتها الدبلوماسي الذي يفسره الشارع كتنازل مهين واستهتار بدماء مواطنيها .
• العزلة الإقليمية وجوار السودان: تسببت حرب 15 أبريل 2023 والمستمرة في توتر علاقات السودان مع محيطه الإقليمي وجيرانه كافة (مصر،تشاد، إفريقيا الوسطى، إثيوبيا، وجنوب السودان)—باستثناء إريتريا—مما يفرض ضرورة حتمية لوقف الحرب والتحول نحو حكم مدني رشيد ينهي نزيف الثروات والدماء.
1. التوصيف القانوني الدولي لجريمة قصف المعدنيين
يمثل قصف المعدنيين التقليديين خرقاً جسيماً للمواثيق الدولية، ويقع تصنيفه تحت طائلة القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الجنائي والقوانين الوطنية وفق المحددات التالية:
• انتهاك مبدأ “التمييز” (Principle of Distinction): يُلزم القانون الدولي الإنساني الأطراف المتنازعة بالتمييز الدائم بين المدنيين والمقاتلين فالمعدنون التقليديون هم مدنيون يمارسون نشاطاً اقتصادياً كسبياً، ولا يكتسبون أي صفة عسكرية؛ بالتالي فإن استهدافهم المباشر يمثل جريمة مدانة. القانون المصري اقصى عقوبة للتسلل عبر الحدود او التعدين العشوائي السجن والغرامة والابعاد وفي هذه الجريمة مخالفة للقوانين .
• جريمة ضد الإنسانية تستوجب المساءلة وحتى في حال التذرع بوجود أهداف عسكرية في المنطقة، فإن القصف العشوائي الذي لا يراعي مبدأ التناسب ومبدأ الاحتياط.
1. آليات المحاسبة والإنصاف لأسر الضحايا
إن تجاوز مرارة الجريمة يتطلب تفعيل مسارات قانونية وقضائية صارمة لضمان المحاسبة والإنصاف وعدم الإفلات من العقاب:
• التحقيق الدولي المستقل: يجب الدفع باتجاه تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لمعاينة موقع القصف ، وتوثيق أسماء الشهداء والمصابين. أما القول بان الضحايا من مالي والنيجر فهذا عدم مسئولية، ولسترخاص للارواح ، وايضا يجب حمايتهم ودولهم ستطالب بتوضيحات وجثثهم.
• الملاحقة القضائية للجناة: رفع دعاوى جنائية المتورطين في القصف وايضا شركات التعدين التي تقع عليها مسئولية قانونية ومجتمعية .
• جبر الضرر والتعويضات العادلة: تقديم اعتذار رسمي وعلني للشعب السوداني، وتوفير تعويضات مالية ومادية مجزية وعاجلة لأسر الضحايا تتناسب مع حجم الخسارة البشرية والمادية، وضمان معاشات مستديمة لأبناء وعائلات المتوفين، ويشمل ذلك المصريين الذي قتلوا في الخرطوم وتقديم الجناة الى العدالة .
. تنسيق بين البلدين لحماية الحدود بدوريات مشتركة.
1. مقايضة الثروات بالدعم السياسي:
في محاولة للخروج من طوق العزلة والضغط العسكري الميداني، كشف التسريبات عن مساعٍ لتوظيف قطاع المعادن كأوراق ضغط دولية:
• العرض لإدارة ترامب: قدّم السودان عرضاً يتيح لواشنطن الامتياز والاستثمار في المعادن النفيسة وتأمين مواقع استراتيجية على سواحل البحر الأحمر.
• المقايضة العسكرية: يهدف العرض إلى الضغط على قوات الدعم السريع لرفع حصارها عن المدن الاستراتيجية (مثل الفاشر)، مقابل فتح أبواب الثروات الطبيعية كجزء من صفقة سياسية عسكرية وتأمين الساحل الأفريقي (وفق تقارير ركزت عليها وسائل إعلامية مثل صحيفة وول ستريت جورنال).
• الرد الأمريكي المتزن: فضلت الإدارة الأمريكية التركيز مباشرة على مناقشة سبل وقف الحرب المستمرة، وتحقيق السلام، وإيصال المساعدات الإنسانية تماشياً مع القرارات الدولية، دون إعطاء الأولوية للوعود الاستثمارية في المعادن.بل ذهب مسعد بولس مستشار الرئيس الامريكي خلال جلسة لمجلس الامن بمطالبة الفريق الاممي بموجب القرار 1591 بتقديم معلومات عن الذهب وتهريبه واستخدامه في تمويل الحرب .
1. الواجهة الاستثمارية : تحالف “ديب ميتالز” و”فيض النعم”
في ذات الوقت الذي يتعرض فيه التعدين الأهلي للاستهداف والقمع، تندمج الرساميل العابرة للحدود لتنظيم تعدين الشركات الكبرى وحصاد الثروات بعيداً عن ساحات المعارك المباشرة، متمثلاً في شركة ديب ميتالز للتعدين (Deep Metals Mining) عبر استثمار يقدر بـ 277.3 مليون دولار حسب ما تتداوله وسائل إعلام في البلدين :
• وقعت ديب ميتالز اتفاقية مع وزارة المعادن تشمل الاستكشاف والإنتاج في 4 ولايات مستقرة (الشمالية، البحر الأحمر، نهر النيل، والقضارف)، بجانب الاستحواذ على 85% من منجم أركيديا وهو ما تنفيه الوزارة .
• هيكل الشركاء والنفوذ المالي:
رأس المال المصري: يتمثل عبر رجل الأعمال المصري محمد الجارحي (برلماني ) المستند إلى ملاءة مالية ومشاريع توسعية.
الشريك والخبرة السيادية التنظيمية: يتمثل في الشراكة الاستراتيجية مع مجموعة “فيض النعم” السودانية، التي تدير العمليات التنفيذية واللوجستية محلياً بقيادة نائب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب عمر النمير – توفي في القاهرة.
الأهداف التشغيلية وجغرافية “الولايات الآمنة”: مع فقدان الجيش للسيطرة على مناجم الغرب والجنوب لصالح قوات الدعم السريع، تمثل الولايات الأربع الخزان المالي الأخير لسلطة الامر الواقع . يهدف هذا التحالف لإنشاء مصفاة حديثة للذهب ومصانع لمعالجة مخلفات التعدين (الكرتة)، وضخ سيولة نقدية فورية وعوائد دولارية لكنها لا بتنفيذ مشاريع المسؤولية المجتمعية والتنمية المستدامة لصالح المحيطة بالمناجم. .
خلاصة : معضلة ما بعد الحرب:
يبرز في المشهد تناقض صارخ؛ فبينما تحاول سلطة الامر الواقع منح واشنطن امتيازات غير مفعلة، وتمنح شركات مصرية-سودانية حقوقاً تشغيلية احتكارية في الولايات الآمنة، يدفع “الدهابة” البسطاء دماءهم ثمناً لهذا النزاع .إن الاستعجال في توقيع هذه العقود الضخمة يعكس الرغبة لسلطة الأمر الواقع في إيجاد حلفاء إقليميين لشرعنة وجودها وتأمين غطاء مالي للحرب، إلا أن هذه الشبكات الاستثمارية تظل مهددة قانونياً؛ إذ إن أي تحول حتمي نحو حكم مدني رشيد سيخضع هذه “الاتفاقيات الاستثنائية” لرقابة صارمة ومراجعات قانونية شاملة، لضمان استرداد حقوق الدولة والشعب، وتحقيق العدالة الانتقالية والإنصاف الشامل لأسر الضحايا الذين سحقتهم لعنة الذهب والحرب.



