الأعمدة

أثبتها التأريخ وأكدها الواقع: كوارث الحكم الديني وضرورة منع الأحزاب القائمة على أساس ديني

بقلم/ إيهاب الأمين
أنظمة الحكم الدينية التي تمزج بين المقدس والزمني تشكل واحدة من أكثر التجارب السياسية تعقيداً وتكلفة على الشعوب عبر التاريخ عندما تتحول النصوص الدينية إلى دساتير سياسية وتصبح المؤسسات الدينية سلطات تنفيذية وقضائية تفقد الدولة حياديتها وتتراجع مواطنة الأفراد لصالح الانتماءات الطائفية إذ أن الفكرة الأساسية في قيام الدول الحديثة على مبدأ الفصل بين الدين والدولة لا تنبع من عداء للمقدسات بل من حماية للدين ذاته من التوظيف السياسي ومنع استغلاله في الصراعات على السلطة.
والتجربة الأوروبية مع الكنيسة في العصور الوسطى تقدم نموذجاً صارخاً على كيف يمكن للسلطة الدينية أن تعيق تطور المجتمعات فحينما كانت الكنيسة تسيطر على الحكم والعلم والمجتمع شهدت أوروبا فترات من الجمود الفكري ومحاكم التفتيش وقمع العلماء وهذا الاستبداد الديني هو ما دفع لاحقاً إلى نهضة التنوير التي أسست لفكرة الدولة المدنية العلمانية التي تضمن حرية المعتقد وتفصل المؤسسة الدينية عن مؤسسات الحكم لضمان استقرار المجتمع وتقدمه وفي العصر الحديث تقدم إيران نموذجاً حياً لثيوقراطية إسلامية شيعية حيث تتركز السلطة بيد رجل الدين مما أدى إلى تقييد الحريات العامة واندلاع احتجاجات متكررة تطالب بحقوق مدنية وحيادية الدولة كذلك شهدت مناطق أخرى من العالم تجارب مماثلة حيث تم توظيف الانتماءات الدينية أو المذهبية لتبرير التمييز والهيمنة مما أدى إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وإهدار الموارد في صراعات لا تنتهي.
وفي مصر شهدت التجربة التي قادتها جماعة الإخوان المسلمين في عام 2012 كيف يمكن لجماعة ذات مرجعية دينية أن تقسم المجتمع وتغلب المصالح الفصائلية على المصلحة الوطنية مما أدى إلى حالة من الاحتقان الشعبي والاصطدام بمؤسسات الدولة وانتهاء هذه التجربة سريعاً بسبب رفض المصريين لها أما في فلسطين المحتلة فإن سيطرة حركة حماس على قطاع غزة حولت القضية الوطنية العادلة إلى ساحة لتجاذبات فصيلية وفكرية حيث طغى البعد التنظيمي على المشروع التحرري مما انعكس سلباً على وحدة الصف الفلسطيني وتسبب في معاناة إضافية للشعب الفلسطيني تحت وطأة الانقسام.
وفي أفغانستان أوصلت الجماعات الدينية المتطرفة البلاد إلى عقود من الحرب والفقر حيث صادرت حقوق الإنسان وأهدرت مقدرات الشعب ولم يتوقف الضرر عند الدول بل امتد إلى تنظيمات إرهابية مثل داعش وغيرها من الجماعات المتطرفة التي مارست أبشع أشكال القتل والتدمير باسم الدين وشوهت صورة الإسلام السمحة أمام العالم بأسره.
لكن النموذج الأكثر إيلاماً ووضوحاً في تداعيات توظيف الدين في الحكم هو التجربة السودانية بعد عام 1989 حينما تم فرض رؤية اسمها دينية وهي أبعد ما تكون عن الدين والإسلام الحقيقي في بلد يتميز بتنوعه الثقافي والديني والعرقي إذ بدأت آلة التهميش تعمل بشكل منهجي وكان استخدام الدين كأداة للحكم في السودان لم يجلب العدالة ولا التنمية بل أدى إلى تأجيج الصراعات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وكانت الرؤية الأحادية سبباً مباشراً في تمزيق البلاد وصولاً إلى انفصال جنوب السودان عام 2011 بعد عقود من الحروب الأهلية التي استنزفت مقدرات الشعب وبدلاً من أن يكون الدين هو الذي يجمع الشعب تحول إلى خط فصل ومبرر للإقصاء مما جعل السودان يعاني من أزمات اقتصادية طاحنة وعزلة دولية ودمار شامل في البنية التحتية.
من هنا تتجلى الحكمة العميقة من منع الأحزاب الدينية أو الأحزاب التي تقوم على أساس ديني أو طائفي أو عرقي في العديد من الدساتير الحديثة فعندما يُمنع تأسيس أحزاب دينية فإن الدولة ترسل رسالة واضحة بأن السيادة للمواطنين جميعاً بغض النظر عن معتقداتهم ومعتنقاتهم والأحزاب الدينية بطبيعتها تميل إلى تقسيم المجتمع إلى مؤمن وكافر أو إلى محظوظ ومهمش وكل من يعارض هذا الحكم أو يبدي اي رأي سلبي فهو كافر وحتى كاتب هذه السطور الذي ظل يكتب رأيه الخاص حول فترة الحكم الكيزاني الظلامي الفاسد ظل يواجه اتهامات الكفر من الذباب الالكتروني الكيزاني البغيض ومن الرجرجة والدهماء والجهلة من خرفانهم فالحكومات الدينية تستغل العواطف الدينية لكسب تأييد شعبي يتحول لاحقاً إلى استبداد باسم السماء لذا فإن منع هذه الأحزاب يحمي الدين من التدنس بالصراعات الحزبية اليومية ويحمي الدولة من الانزلاق إلى محاصصات طائفية تدمر مؤسساتها ولا شك أن الدروس المستفادة من تاريخ البشرية ومن تجارب السودان وإيران وأوروبا تؤكد أن خلاص الشعوب يكمن في دولة المواطنة والقانون التي تحترم الأديان وتتركها للشأن الروحي والأخلاقي بينما تدير الشؤون الدنيوية بعقلانية وحيادية وحماية الدين من السياسة هي أعظم خدمة يمكن تقديمها للمعتقدات السماوية وللوطن في آن واحد.

زر الذهاب إلى الأعلى