
الحزب الشيوعي السوداني
منطقة شندي والمتمة
* من أجل تشكيل وعي حقيقي حول أولويات الصراع ، و توجيه أدواته و قواه نحو قضايا الجماهير ومصالحها و احتياجاتها الحياتية .
يتابع الحزب الشيوعي السوداني بمنطقة شندي والمتمة ما يدور من صراع حول نظارة الجعليين ، وما يُطرح في سياقه من شعارات الإصلاح والتغيير . و هي برأينا مجرد ضجة اعلامية صاخبة أتيحت لها كافة الامكانات المادية كما وجدت الدعم و الحماية من أجهزة الدولة و كذلك التشجيع من أعلى مستويات الحكم في البلاد و يقود منصاتها المتصارعة مجموعة من الانتهازيين الطامحين في السلطة و النفوذ ، و تدرك جماهير شندي و المتمة زيف ذلك الصراع لاتفاق تلك المنصات في القضايا الأساسية التي تتمثل في تأييد سلطة الأمر الواقع و في استدامة الحرب و في تهميش المطالب الملحة للمواطنين في العيش الكريم ، و تختلف حول الشخوص لتلميعها و اعطائها ما لا تستحق من أوزان بهدف احتكار و تقاسم المكاسب الشخصية فيما بينها ونحن إذ نؤكد ان الإدارة الأهلية في نسختها الحالية التي تسعى لاحتلال موقع القاعدة الجماهيرية كأمر واقع و ككيانات داعمة لسلطة الانقلاب فانها و بالمحصلة لا تعدو كونها مجرد هياكل عادت لها الحياة بسبب التراجع المؤقت في حركة الجماهير و منظماتها المدنية و الديمقراطية دون أن تسعى من خلال ضجيجها الداوي الى تطوير دورها بما يستجيب للتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بالقدر الذي يلامس تطلعات مواطني المنطقة من مختلف الأجناس و الأعراق بما يضيف الى حركة الجماهير و لا يخصم منها ، لذلك فإننا نرى ضرورة النظر إلى هذا الصراع في سياقه الأوسع ، وعدم الاكتفاء بالشعارات المعلنة ، بل التوقف عند القوى والتيارات التي تقف وراءه ، ومصالحها السياسية و الاقتصادية و الجهات التي تسعى إلى توظيفه في إعادة ترتيب علاقات السلطة والنفوذ .
إن الصراع، الذي يبدو في ظاهره خلافاً حول الإصلاح ، تكشف بعض مؤشراته عن تداخل المصالح السياسية مع قضايا الإدارة الأهلية ، ولا سيما في ظل تحرك تيارات وشخصيات مرتبطة بالحركة الإسلامية ارتباطا عضويا غير خاف على احد ، و هي و عبر واجهاتها المختلفة تسعى إلى إعادة بناء نفوذها الاجتماعي والسياسي من مداخل متعددة ، من بينها المؤسسات الأهلية. وهو ما يثير أسئلة مشروعة حول طبيعة الإصلاح المطروح ، والجهات المستفيدة منه ، ومدى ارتباطه بالمصالح الحقيقية للمواطنين ، في وقت تتفاقم فيه الأزمات المعيشية والاقتصادية ، وتتعاظم فيه معاناة الناس بفعل الحرب وتداعياتها .
إننا لا ننظر إلى هذه القضية باعتبارها خلافاً إدارياً معزولاً ، ولا نختزلها في أسماء المتنافسين أو مواقعهم الاجتماعية رغم الماخذ العالقة بادائهم في العمل العام ، وإنما نضعها في إطار الصراع الأوسع على النفوذ والقرار الاجتماعي والسياسي على حساب غمار الناس . فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بتغيير الأشخاص وحدهم ، ولا بإعادة توزيع المواقع بين القوى المتنافسة ، لكنه يتحقق بمدى قدرته على معالجة الاختلالات ، وتوسيع المشاركة الشعبية و المحاسبة ، وصيانة حقوق المواطنين ، وإبعاد المؤسسات الأهلية عن أن تتحول الى بوق للسلطة و أعوانها .
وفي هذا السياق، نلفت الانتباه إلى أن القضايا التي تمس حياة جماهير شندي والمتمة لا تجد مكانها المستحق في هذا الصراع مدفوع الثمن . فالمزارعون يواجهون أزمات الإنتاج و غلاء و انعدام المدخلات الزراعية ، اضافة لمشكلات الري والتسويق ، والرعاة يواجهون الجفاف وموات المراعى فيما تتفاقم أعباء المعيشة على العاملين والمنتجين وصغار التجار و التضييق الممنهج عليهم في أرزاقهم ، و ازاء ذلك تتراجع قدرة الأسر على توفير احتياجاتها الأساسية . كما يعاني المواطنون من تدهور الخدمات الصحية والتعليمية و في إمداد المياه و الكهرباء ، وضعف البنية التحتية ، وتراجع فرص العمل ، و التغول على الأراضي و الفساد في تخصيصها و تزيد وطأة الحرب من تداعيات الأزمة المطبقة على النشاط الاقتصادي والعلاقات الاجتماعية.
هذه هي القضايا التي ينبغي أن تتصدر أي مشروع جاد للإصلاح والتغيير . فأي حديث عن إصلاح الإدارة الأهلية لا تكون له قيمة اجتماعية حقيقية إذا لم يرتبط بتحسين حياة الناس ، وحماية حقوقهم ، وتعزيز قدرتهم على المشاركة في إدارة شؤونهم ، والدفاع عن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية.
ويقع على عاتقنا و عاتق جماهير شعبنا تعزيز دورنا الاجتماعي و السياسي لملء الفراغ في الفضاء المدني و عدم تركه نهبا للصراعات الانتهازية المكشوفة و عدم الركون لواقع الانحسار في المبادرات الجماهيرية ، حتى لا يتسع الفراغ في الفضاء المدني بما يتيح عودة اعداء الثورة للمشهد ، مستفيدين من مناهج الحرب وما صاحبها من تضييق على التنظيمات والمبادرات المستقلة . وفي مثل هذه الظروف، تصبح المؤسسات التقليدية ، ومن بينها الإدارات الأهلية، ساحةً لنشاط القوى السياسية والاجتماعية المعادية للشعب و ثورته لجني الأموال و بناء النفوذ، وقد تتحول إلى أدوات لتكريس علاقات سلطة لا تعبّر بالضرورة عن مصالح القواعد الاجتماعية التي تستمد منها ادعائها للشرعية .
إن خطورة هذا المسار تكمن في تحويل الخلافات الاجتماعية والإدارية إلى صراعات سياسية فوقية ، تُدار من خلال التحالفات وموازين القوى المختلة أصلا بسبب تدخلات السلطة في الصراع العام ، بينما تظل الجماهير بعيدة عن مواقع اتخاذ القرار الى حين تعزيز قواها بالمعارك المستمرة من أجل مطالبها العادلة ، و من خلال انتصاراتها المستحقة تتمكن من ايجاد الوسائل المدنية والتنظيمية التي تتيح لها التعبير عن مصالحها والدفاع عنها . ومن هنا ، فإن مسؤولية المواطنات والمواطنين لا تقتصر على متابعة أطراف الصراع ، بل تمتد إلى مساءلة جميع القوى المتداخلة فيه ، والتمييز بين الشعارات التي تُرفع والمصالح التي يجري العمل من أجلها.
ويؤكد الحزب الشيوعي السوداني بشندي والمتمة أن موقف الحزب من هذه القضية لا ينطلق من خصومة مع الإدارات الأهلية بالمنطقة . فليس منطلقنا استهداف مؤسسة أهلية بعينها، ولا إنكار دور الإدارات الأهلية في تنظيم العلاقات الاجتماعية ، وتسوية النزاعات ، والمساهمة في حفظ السلم الاجتماعي . وإنما ننطلق من ضرورة تطوير هذه المؤسسات لتصبح جزءا من شعبها و همومه ، وتخليصها من التوظيف السياسي السلطوي ، وتعزيز استقلالها ، وإخضاع أدائها لمبادئ المشاركة والمساءلة واحترام حقوق المواطنين .
ونرى أن الإصلاح المنشود ينبغي أن يقوم على حوار اجتماعي واسع حول القضايا و ليس الأشخاص ، تضمن الياته الأهلية مشاركة القواعد الاجتماعية المعنية . خاصة النساء والشباب والمزارعين و العمال و المهنيون و سائر الفئات المتعايشة بالمنطقة . كما ينبغي أن يستند إلى معايير واضحة وشفافة ، تضمن المشاركة الحرة ، وتحول دون احتكار القرار أو توظيف الانتماءات الاجتماعية لمصلحة قوى سياسية تسعى إلى استعادة نفوذها .
إن الحزب الشيوعي السوداني، انطلاقاً من موقفه المبدئي في الدفاع عن مصالح الجماهير ، يدعو إلى نقل ميدان الصراع من التنافس على المواقع والنفوذ إلى ميدان القضايا التي تمس حياة المواطنين ، والعمل على بناء أوسع جبهة جماهيرية ومدنية للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، واستعادة المبادرات الشعبية المستقلة لتحقيق السلام و استعادة الديمقراطية ، وتعزيز التضامن بين مكونات المجتمع في مواجهة آثار الحرب والفقر والتهميش .
كما ندعو جماهير شندي والمتمة إلى عدم الانجرار وراء الاستقطاب القبلي ، وإلى التمسك بحقها في معرفة حقيقة ما يجري ، ومساءلة أطراف الصراع عن برامجهم ومواقفهم ، ومطالبتهم بتقديم إجابات واضحة حول قضايا الزراعة والخدمات والمعيشة والتنمية المحلية . فالجماهير ليست وقوداً للصراعات الشخصية ، ولا ينبغي أن تكون مصالحها رهينةً لصراع النخب على السلطة والنفوذ.
إن معركة الإصلاح الحقيقية تبدأ من مصالح الناس ، ومن حقهم في المشاركة والقرار ، ومن استقلال مؤسساتهم الاجتماعية عن التوظيف الانتهازي . ولن يتحقق ذلك إلا بعمل جماهيري منظم، وفضاء مدني حر، وحوار ديمقراطي يضع مصالح المواطنين فوق مصالح القوى المتنافسة .
عاش نضال الجماهير من أجل الحرية والسلام والعدالة.
الحزب الشيوعي السوداني
منطقة شندي والمتمة.
الخميس ١٥/ اكتوبر/٢٠٢٦



