
(موطئ قلم)
محمد عبد الله برقاوي
لم تكن هذه المرة الأولى التي يعلن فيها الفريق أول عبد الفتاح البرهان رغبته في إحلال السلام، بإيقاف الحرب وإنهاء المأساة السياسية والإنسانية التي تعصف بالبلاد، وربما لن يكون خطابه الأخير ذلك الذي قيل إنه وجّهه بالأمس إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في هذا الصدد.
ذلك أن مشكلة القائد العام للجيش ورئيس مجلس السيادة، في تقديري، أنه يريد كسب الزمن ليظل الرجل العسكري الأقوى، والسيادي الأول، والتنفيذي الأوحد، مستأثراً بحكم البلاد من خلف غبار هذه الحرب اللعينة. فهو يتحدث بلسانين، ويلتفت بوجهين؛ يخاطب الخارج مسترضياً إياه، ثم لا يلبث أن يلتفت إلى الداخل مستدرّاً عاطفته، مستنداً إلى خطاب يستهوي المنتفعين من استمرار الحرب، أو يستحوذ على إعجاب بسطاء الناس الذين تهزّهم صورة الحاكم وهو يتبسط أمامهم، إثباتاً لقربه منهم، ولو على حساب همومهم الأساسية وأبسط مقومات حياتهم، التي زادتها الحرب بؤساً، وتعنت أطرافها شقاءً، وما خلّفته من خراب وضياع لكثير من المقدرات، وتحطيم لجسور المستقبل التي كانت تتيح، على ضيقها، فرصاً لعبور العباد نحو غد أفضل!
ومهما يكن من صدق الرجل هذه المرة في مضمون رسالته إلى رئيس أكبر دولة مؤثرة في مجريات الأحداث العالمية، سلماً وحرباً، متجاوزاً مستشاري الرئيس الأمريكي ومبعوثيه، فإن الأجدر به أن يوجّه خطابه إلى الداخل، من داخل القصر الرئاسي، وعبر القنوات الإعلامية الرسمية، ليبلغ صوته الشعب السوداني، ويصل صداه إلى الخارج أيضاً.
فالعالم الذي يُفترض أن يكون معنياً بإرساء السلام، إن صدقت نواياه في ذلك، وبمدّ يد العون إلى شعب السودان المنكوب، لن يحتاج إلى رسائل استرضاء بقدر ما يحتاج إلى موقف واضح، وقرار شجاع، وخطوات عملية تضع نهاية لهذه الحرب، من قلب البلاد التي اشتعلت فيها نيرانها.
وكان على الفريق البرهان أن يستفيد من درس عدم إصغاء العالم إلى مبادرة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، التي أُعلنت من فوق منصة الأمم المتحدة، أمام العالم أجمع، ثم باءت بالفشل حتى في استقطاب الاهتمام الذي كانت تستحقه. والسبب أن المبادرة أطلقت صرختها في مسامع الصدى البعيد، متجاوزة طبلة أذن الرأس القريب؛ فكيف يُرجى لصوت السلام أن يجد طريقه إلى الخارج، بينما لا يجد طريقه إلى الداخل الذي تكتوي جماهيره بنيران الحرب؟
فإذا كنت صادقاً في دعوتك هذه المرة، يا سيادة القائد، وتملك زمام الأمور بثقة القائد القادر على التأثير في مجريات الأحداث، فاخرج وخاطب الأمة السودانية التي تنتظر السلام، وهي تقف فوق جمر الاكتواء بنيران الحرب. أعلن موقفك بوضوح، وضع حداً للتناقض بين خطاب السلام وممارسات إطالة أمد الحرب، ثم اترك الكرة في ملعب خصمك في الميدان، ليُختبر هو الآخر في صدقية دعوته إلى إنهاء الحرب، واختياره طريق السلام، بعدما تشدق بهذا التوجه في أكثر من مناسبة، وعبر خطابات عديدة.
فالسلام لا يبدأ باسترضاء ترامب، ولا برسائل تُوجَّه إلى الخارج، وإنما يبدأ بموقف صادق من الداخل، يضع مصلحة السودان وشعبه فوق حسابات السلطة ومكاسب البقاء فيها.
الله من وراء القصد.



