خالد كودي، بوسطن
. ١/ انهيار المعنى الوطني في دولةٍ فقدت الإنسان قبل الأرض
أعادت الأيام الماضية إلى الذاكرة دروسًا مؤلمة رفض السودان الرسمي استيعابها. فقد أعلن جيش دفاع شعب جنوب السودان استقباله مجموعة من ضباط وجنود الجيش السوداني الذين انهاروا أمام قوات الدعم السريع في هجليج، وفرّوا بكل عتادهم إلى دولة كانوا ينظرون إليها ــ طوال عقود ــ باحتقار سياسي وعنصرية ثقافية.
استُقبل هؤلاء الجنود، كما قال الفريق جونسون أولونج، “بتوجيهات من الرئيس سلفا كير، لأنهم إخوة لنا، ونحن شعب واحد في دولتين.”
كلمات بسيطة، لكنها تُعرّي فجوة أخلاقية هائلة بين جوبا التي اختارت إنسانيتها رغم الحرب، والخرطوم التي تخلّت عن إنسانها باسم العرق والدين والقانون والصلف الفشك!
ففي اللحظة التي كانت فيها جوبا تفتح أبوابها للهاربين، ترد الي الذاكرة الحديثة سلطة بورتسودان وهي تشنّ حملة اعتقالات واسعة ضد النساء الجنوبيات في الخرطوم، وتنقلهن قسرًا في بصاتٍ مغلقة، دون محاكمات، ودون السماح لهن حتى باصطحاب أطفالهن.
المفارقة الأشد قسوة أن الجهة التي نفذت هذه الحملات هي ذاتها المؤسسة العسكرية التي كانت، في الفترة نفسها، تهرب تحت جنح الظلام نحو جنوب السودان طلبًا للحماية.
. ٢/ جيش بلا شرف: ينتصر على الضعفاء ويهزم في الميدان
ما حدث في هجليج كشف هشاشة الجيش السوداني عسكريًا، وفضح انهيارًه الأخلاقي والمؤسسي.
فهو جيشٌ لا يرفع بندقيته إلا على الفقراء والمهمشين، ولا يشعر بسطوته إلا في الأسواق، وأطراف المدن، وفي ما يسمّيه سكان الخرطوم “الاحزمة السوداء”.
هناك فقط، يستطيع أن يعتقل النساء الجنوبيات لأن ملامحهن “غريبة”، ويلاحق الأطفال بسبب لهجتهم أو لون بشرتهم.
لكن حين يواجه مقاتلين مدرّبين، ينزلق بسرعة إلى الهزيمة والفرار.
هكذا سقط الجيش من مرتبة “حارس الوطن” إلى أداة في يد سلطة عنصرية تقمع الناس باسم القومية، وتبرر الفشل باسم الدين، وتغلف التعالي الإثني بشعارات الوطنية الزائفة.
وما “قانون الوجوه الغريبة” العرفي إلا التعبير القانوني الأكثر فجاجة لهذا الإرث العنصري المتجذّر منذ الاستقلال، الإرث الذي خلط بين إسلامٍ متعالٍ وعروبةٍ عدائية، لتبرير السيطرة على الهامش.
هذه المنظومة هي التي فجّرت حروب الجنوب والغرب والشرق، وهي نفسها التي صنعت ــ أخلاقيًا وسياسيًا ــ انفصال الجنوب كأول شهادة وفاة للدولة السودانية المركزية.
. ٣/ الجنوبي في الخرطوم: الغريب الذي بنى الوطن ثم طُرد منه
لسنوات طويلة، كان المواطن الجنوبي ــ مثل بقية أبناء الهامش ــ أحد أعمدة الاقتصاد والخدمة العامة والجيش والزراعة والموانئ والبناء.
بعرقه ودمه شارك في صناعة الدولة التي لم تعترف به يومًا مواطنًا كاملًا.
لم تعترف بلغته، ولا ثقافته، ولا لونه، بل جعلت منه “الآخر” الذي يُعرّف به “نقاء” هوية الخرطوم الموهومة.
حين طالب بالمساواة، وصفوه بالتمرد.
وحين انفصل، اتهموه بالخيانة.
وحين لجأت نساؤه وأطفاله إلى شوارع الخرطوم، لم يجدوا سوى الاعتقال والترحيل المذل وبعنصرية.
كأنّ المواطن الجنوبي وُلد ليُعاقَب، لا ليُعترف به.
.”علي خيبتها!” ٤/ مفارقة الأخلاق: جوبا الإنسانية والخرطوم المتعالية
في المقابل، قدّمت جوبا صورة للسودان الذي كان يمكن أن يكون.
جنودٌ مهزومون، يفرّون تاركين مواقعهم ومعظم سلاحهم، فيُستقبلون بطعامٍ ومأوى واحترام.
تتعامل معهم جوبا كبشر، لا كأعداء، ولا كأبناء دينٍ أو عرقٍ معيّن او ثقافة اخري!
المفارقة موجعة:
الهارب يُكرَّم، والمظلوم يُهان.
الجلاد يجد مأوى، والأم تُقتلع من بيتها مع أطفالها.
هذه ليست مفارقة فحسب، بل مرآة تعكس انهيار القيم في الدولة السودانية المركزية، حيث الجيش بلا كرامة، والسلطة بلا إنسان، والوطن بلا معنى.
. ٥/ خرافة “الكرم السوداني”: الشعار الذي غطّى النفاق
لطالما رفع السودانيون شعار “نحن شعب كريم”، و“شعب نخوة”، و“شعب مسالم، و مسلم يتقي الله”.
لكن الكرم الذي لا يشمل الضعفاء هو نفاق اجتماعي.
والنخوة التي لا تُمارس إلا مع الأقوياء هي وهمٌ ثقافي.
والدين الذي يتحوّل إلى أداة قمع هو خرابٌ روحي قبل أن يكون سياسيًا… وياللعار الذي يفضحه الواقع يوما بعد يوم!
أيُّ كرمٍ هذا الذي يُهين المرأة الجنوبية؟
أيُّ نخوة في طرد اللاجئ؟
أيُّ تدينٍ في اعتقال الأمهات لأن لونهن “غير مناسب” للخرطوم؟
في مقابل ذلك، أثبتت جوبا أنّ الكرم ليس شعارًا، بل ممارسة.
فاستقبلت جيشًا طاردها لسنوات، بينما طردت الخرطوم نساءً لم يحملن في حياتهن سلاحًا.
. ٦/ الخاتمة: حين تسقط الدولة في امتحان الضمير
المأساة ليست في الترحيل القسري وحده، بل في سقوط الضمير الوطني.
حين تتحول الدولة إلى مؤسسة عقاب عرقي، يصبح الجيش أول من يهين المواطن، وتصبح السلطة أول من يدهس الضعفاء… وتصمت النخب!
وستبقى في ذاكرة التاريخ مفارقة لا تُنسى:
الجنوب الذي وُصف يومًا بالخيانة، كان هو من حافظ على إنسانية السودانيين أنفسهم، عسكريين ومدنيين علبي حد سواء!
في جوبا، وجد الهاربون من الجيش السوداني طعامًا وأمانًا.
وفي الخرطوم، لم تجد الأمهات الجنوبيات سوى الخوف والطرد.
وهكذا — بين جنوبٍ احتضن أعداءه وشمالٍ طرد أبناءه —
سقطت ادعاءات الكرم والدين والوطنية، والشهامة وعيره من “الطلس”
وبان عُري الدولة التي هزمتها العنصرية قبل أن تهزمها الحرب.
النضال مستمر والنصر اكيد.



