
هشام عباس
بعد أربع وعشرين ساعة فقط ، خرجت السلطات المصرية لتُحمّل نفسها المسؤولية كاملة عن أحداث شمال الوادي، وتُقدّم الحادثة على أنها شأن سيادي، يتصل بسيادة مصر على أراضيها وحقها القانوني في الحفاظ على مواردها ومكتسبات شعبها.
وبصرف النظر عن جدلية أيلولة المنطقة الحدودية، فإن القوانين المصرية ذاتها لا تُقر، نصا ولا تطبيقا، عقوبة الإعدام على المعدّنين، حتى لو كانوا ينقبون عن الذهب في وسط البلد قرب الحسين، ناهيك عن منطقة حدودية متنازع عليها، هذا على افتراض أنها ليست أرضا سودانية خالصة.
لقد تعاملت مصر مع المعدّنين بالبراميل المتفجرة، وحوّلت جثثهم إلى أشلاء في استخدام مفرط للقوة جرى على ثلاث مراحل بحسب البيانات الرسمية، والغرض المعلن هو الطرد النهائي للمعدّنين وإفساح المجال أمام شركات التنقيب لتعمل دون مضايقة.
وكانت القاهرة تعلم أن حكومة بورتسودان المنبطحة، من أعلى هرمها السيادي مرورا برئاسة الوزراء وانتهاء بآلتها الإعلامية الموالية، لن تجرؤ على الاعتراض على تلك المجازر، بل ستجد لها المبررات وتسوّق لها الأعذار.
ولكن ما لم تضعه القاهرة في الحسبان، هو غضبة الشارع السوداني والهبّة الشعبية التي انطلقت من فضاء الميديا ثم انفلتت تداعياتها إلى أرض الواقع، متمثلة في حادثة الاعتداء على السائقين المصريين ومقتل اثنين منهم ونجاة الثالث.
فالقاهرة تستطيع أن تسيطر على ردود أفعال الحكومة السودانية وإعلامها المساند، لكنها لا تستطيع بحال أن تسيطر على الواقع السوداني الراهن، وحالة السيولة الأمنية التي جعلت السلاح في متناول اليد، بحيث يمكن للمواطن المغبون أن يلجأ إلى القوة القهرية انتقاما من مواطنين مصريين عزّل، يتصور في فهمه البسيط أنهم يمثلون الطيران الحربي الغاشم الذي قتل المعدّنين السودانيين بلا هوادة.
لقد ألقت السلطات المصرية بالون اختبار في المرة الأولى وحصدت عددا من الأرواح، ولما مرّ الأمر بسلام، انتظرت بضعة أشهر ثم أعادت الكرّة بعنف أكبر، حاصدة أكثر من سبعين روحا سودانية. وهنا قامت القيامة في الواقع والمواقع في السودان، ومما زاد الطين بلة، تقاعس السلطات السودانية عن توضيح ملابسات الجريمة، ثم خروج بيان هزيل لمجلس السيادة بعد ضغوط، لم يُرض الشارع السوداني الغاضب، فانعكس ذلك مباشرة على حادثة السوق المحلي.
بعدها فقط استشعرت القاهرة الخطر، فحرّكت أدواتها في الخرطوم، وأصدرت البيانات عقب مقتل اثنين من رعاياها مطالبة بتهدئة الأوضاع، وفعّلت الدبلوماسية عبر تواصل على أعلى مستوى بين وزيري الخارجية وقيادات البلدين.
ولم تُغفل القاهرة تباينات المشهد المعقد في بورتسودان، فعمدت إلى لقاء حاكم إقليم دارفور، على اعتقاد أن غالبية الضحايا ينحدرون من غرب السودان، وفي الموازاة أصدرت نقابة الشاحنات المصرية قرارا بوقف حركة البضائع المصرية إلى السودان تحسبا لأي اعتداءات محتملة على الرعايا المصريين.
ويقيني أن القاهرة لم توفق في حساباتها حين لجأت إلى استخدام القوة المفرطة ضد معدّني شمال الوادي، وفوجئت بغضبة الشارع التي أودت بحياة اثنين من رعاياها. وهي قطعا ليست حادثة عرضية، بل قابلة للتكرار ما بقيت جذور الأزمة قائمة.



