الأعمدة

من الأمل إلى الألم.. الغلاء يختبر قدرة الحكومة على حماية المواطن السوداني

بقلم: مجتبى ميرغني
بين اسم «حكومة الأمل» والواقع الذي يعيشه المواطن السوداني، تتسع مسافة مؤلمة لا تقاس بالتصريحات الرسمية ولا بالوعود المعلنة، وإنما بما يستطيع المواطن شراءه من السوق، وما تبقى في جيبه بعد تأمين احتياجات أسرته الأساسية. فالأمل الذي ينتظره الناس ليس شعاراً جميلاً، بل رغيف خبز، ودواء متاح، ومواصلات يمكن تحمل تكلفتها، وراتب يكفي الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
هذه الأيام، لم تعد زيارة السوق أمراً عادياً بالنسبة إلى كثير من الأسر السودانية؛ فقد أصبحت رحلة محفوفة بالحسابات والقلق. يذهب المواطن بقائمة احتياجاته، ثم يعود ببعضها بعدما يكتشف أن المبلغ الذي يحمله لم يعد يكفي لشراء ما اعتاد شراءه. ترتفع أسعار الغذاء والوقود وتكاليف النقل، وتتراجع القدرة الشرائية، بينما تظل دخول قطاعات واسعة من العاملين محدودة، ولا تتناسب مع التغيرات المتلاحقة في تكاليف المعيشة.
ولا يتعلق الأمر بانطباعات عابرة أو مبالغة في وصف الأزمة. فقد أشار تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة الصادر في 13 أكتوبر 2026 إلى ارتفاع أسعار الذرة الرفيعة والدخن في الأسواق السودانية خلال سبتمبر، بنسب تراوحت بين 13 و85 في المئة للأولى، وبين 13 و89 في المئة للثانية، كما ارتفعت أسعار دقيق القمح شهرياً بنسب تراوحت بين 26 و64 في المئة. وهي مؤشرات تكشف حجم الضغوط التي تواجه المستهلك، خصوصاً الأسر محدودة الدخل.
ولا يمكن قراءة هذا الغلاء بمعزل عن الحرب وما خلفته من تراجع في الإنتاج، وتعطل للأنشطة الاقتصادية، واضطراب في طرق الإمداد والتجارة، وضعف للعملة الوطنية، وارتفاع في تكاليف الوقود والنقل. لكن الاعتراف بهذه الأسباب لا يعفي الحكومة من مسؤوليتها؛ فالمواطن لا ينتظر منها أن تنكر الظروف الاستثنائية، بل أن تقدم خطة واضحة للتعامل معها، وأن تبرهن على أن معاناته تقع في صدارة أولوياتها.
المشكلة ليست في ارتفاع الأسعار وحده، بل في اتساع الفجوة بين الأسعار والدخول. فعندما ترتفع تكلفة الغذاء والدواء والمواصلات، ولا تتحرك الأجور بالقدر الذي يحفظ الحد الأدنى من القدرة الشرائية، يصبح الموظف الذي يؤدي عمله يومياً عاجزاً عن الوفاء بالتزاماته، ويجد صاحب الدخل المحدود نفسه مضطراً إلى الاستغناء عن احتياجات أساسية أو الاستدانة لتغطية نفقات أسرته.
وهنا تبرز قضية العاملين بالدولة، الذين لا ينبغي النظر إلى رواتبهم باعتبارها مجرد بند في الموازنة العامة، بل باعتبارها مصدراً لاستقرار أسر، وقوة شرائية تحرك الأسواق، وحقاً يرتبط بكرامة الإنسان وقدرته على مواصلة حياته. فتأخر المرتبات أو ضعفها أمام التضخم لا يضر الموظف وحده، وإنما يمتد أثره إلى الأسواق والخدمات والتعليم والصحة والاستقرار الاجتماعي.
ومن غير المنطقي أن تطالب الحكومة المواطن بالصبر والتضحية، من دون أن تشرح له بوضوح ما الذي تفعله لحماية معيشته، وكيف ستعالج الاختلالات، ومتى يمكن أن يلمس نتائج إجراءاتها. فالصبر ليس بديلاً عن السياسات الاقتصادية، والتطمينات لا تشتري احتياجات الأسرة، والتصريحات عن استقرار الأوضاع لا تصبح مقنعة إلا عندما تنعكس على الأسعار والدخول وتوافر السلع.
إن المطلوب ليس حلولاً سحرية تتجاهل ظروف الحرب وشح الموارد، وإنما إجراءات عملية قابلة للقياس، تبدأ بمراقبة الأسواق ومكافحة الاحتكار والتلاعب، وتحسين انسياب السلع، وتقليل تكاليف النقل والإنتاج، ودعم الإنتاج الزراعي والصناعي، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تضرراً. كما تتطلب مراجعة أوضاع الأجور بصورة واقعية، ومعالجة متأخرات العاملين، وضمان انتظام صرف المرتبات، مع الإفصاح عن الموارد المتاحة وأوجه إنفاقها.
وفي الوقت نفسه، لا بد من الحذر من المعالجات الشكلية؛ فتحديد أسعار إدارية لا تراعي تكاليف الإنتاج والإمداد قد يؤدي إلى اختفاء السلع من الأسواق بدلاً من خفض أسعارها. المطلوب رقابة فعالة، ومنافسة عادلة، وإمدادات مستقرة، وسياسات نقدية ومالية منضبطة، وإنتاج حقيقي يخفف الاعتماد على الواردات. فخفض الأسعار بصورة مستدامة يحتاج إلى معالجة أسباب الغلاء، لا الاكتفاء بملاحقة نتائجه.
وقد يقول قائل إن الحرب هي السبب الرئيسي، وإن الحكومة لا تستطيع وحدها تغيير الواقع بين ليلة وضحاها. وهذا صحيح جزئياً؛ فلا يمكن تحميلها وحدها كل ما راكمته الحرب من خسائر واضطرابات، ولا يمكن مطالبتها بنتائج فورية في اقتصاد تعرض لصدمة عميقة. لكن المسؤولية الحكومية تُقاس أيضاً بقدرتها على ترتيب الأولويات، والشفافية في عرض الحقائق، وحسن إدارة الموارد المحدودة، وحماية المواطنين من الأعباء التي يمكن تخفيفها.
إن المواطن السوداني لا يطلب الرفاهية في هذه المرحلة، بل يطلب الحد الأدنى من الحياة الكريمة. يريد أن يعمل دون أن يظل راتبه عاجزاً عن تأمين احتياجات أسرته، وأن يشتري الدواء دون أن يضطر إلى المفاضلة بين العلاج والطعام، وأن يشعر بأن الدولة تقف إلى جانبه، لا أنها تكتفي بمطالبته بتحمل المزيد.
فهل تظل «حكومة الأمل» اسماً يعكس تطلعات المواطنين، أم تتحول في وجدانهم إلى «حكومة الألم» بفعل واقع لا يجدون فيه ما يسند حياتهم اليومية؟
الإجابة لا تصنعها الحملات الإعلامية، ولا تحسمها الشعارات، وإنما تصنعها النتائج: أسعار أكثر استقراراً، ودخول أكثر قدرة على تلبية الاحتياجات، وخدمات أساسية متاحة، وسياسات يشعر المواطن بآثارها في حياته.
فالأمل الحقيقي ليس أن يسمع المواطن أن الأوضاع ستتحسن، بل أن يرى بوادر التحسن في سوقه وبيته وراتبه. أما إذا ظل الغلاء يتقدم، والدخول تتراجع قيمتها، والوعود تسبق النتائج، فإن السؤال سيبقى مشروعاً: أين الأمل الذي وُعد به الناس، ومتى ينتهي هذا الألم؟

زر الذهاب إلى الأعلى