الخبير المصرفي وليد دليل يكتب ..الفضاء الرقمي في اقتصاد الحرب: هل تحمي الآلية الوطنية أموال الناس أم تكتفي بضبط الكلمة؟

أصدر رئيس مجلس الوزراء قراراً بتشكيل الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية برئاسة مساعد النائب العام، وبعضوية ممثلين عن الجهات ذات الصلة. وتختص الآلية بجرائم المعلوماتية والنشر الضار والمخل بأمن الدولة والمجتمع، ورصد ما يُنشر في الوسائط الإعلامية ومنصات التواصل، واتخاذ الإجراءات الوقائية والقانونية، وقيد الدعاوى نيابة عن الدولة. ويأتي القرار بعد أن صار الفضاء الرقمي في السودان شريان الاقتصاد اليومي، فمع تعطل فروع كثيرة وانهيار شبكة الصرافات وانتقال الناس إلى النزوح، أصبحت التطبيقات المصرفية والتحويلات الهاتفية الوسيلة الأساسية للدفع والإعاشة.
وفي هذا الفضاء تتمركز الخسائر. فقد أعلن وكيل نيابة مكافحة جرائم المعلوماتية آدم السنوسي تسجيل أكثر من خمسة عشر ألف بلاغ احتيال إلكتروني في عام واحد، وتلقي النيابة في الخرطوم وحدها أكثر من ألفي بلاغ في شهرين، وكثير منها عبر صفحات مزورة تنتحل أسماء بنوك كبرى وتستدرج العملاء إلى كشف كلمات المرور ورموز التحقق. وسجلت الشرطة 14,156 بلاغاً جنائياً في يونيو 2026، بزيادة 15.1% عن مايو، وتصدرتها جرائم الأموال بـ6,939 بلاغاً مقابل 5,604 في الفترة السابقة، أي نحو نصف الإجمالي. وللمقارنة، سجلت النيابة المختصة نحو 507 جرائم معلوماتية في عام 2015، فنحن أمام قفزة تقارب ثلاثين ضعفاً، مع التحفظ بأن السنوات والتعريفات مختلفة. أما البلاغات الإجمالية للشرطة منذ اندلاع الحرب فقد تجاوزت خمسين ألفاً بين يونيو 2023 وأبريل 2024، وبلغت المسجلة في منصة البلاغ الإلكتروني نحو ستة وتسعين ألفاً حتى أبريل 2025. غير أن غالبها سرقة مركبات وتعدٍّ على المال العام، فهي بلاغات قُدمت إلكترونياً ولا تُعدّ جرائم معلوماتية بالمعنى الفني. وفي الجانب الآخر من الميزان، وثّقت مراسلون بلا حدود ملاحقة نيابة الجرائم الإلكترونية في ولاية البحر الأحمر لخمسة عشر صحفياً ووسيلتين إعلاميتين بالتشهير ونشر معلومات كاذبة، وأفادت نقابة الصحفيين بأن 445 صحفياً تعرضوا للقتل أو الاعتقال أو التعذيب أو تدمير مؤسساتهم الإعلامية.
من هنا تبدأ المشكلة. فالقرار يُعرّف نفسه بالنشر الضار والمخل بأمن الدولة، بينما الخطر الأثقل على الاقتصاد الحقيقي هو الاحتيال المصرفي وسرقة الهوية الرقمية. وهذا اتجاه يضع الكلمة في مقدمة الأولويات والأموال في مؤخرتها. ولعل الخلل أقدم من القرار، ففي تصريح سابق لرئيس نيابة المعلوماتية أُحيلت مخالفات تطبيق «بنكك» إلى مواد الاحتيال في القانون الجنائي لأن قانون المعلوماتية لا يتضمن نصاً صريحاً فيها، وهذا فراغ تشريعي يحتاج إلى ردم قبل أي آلية جديدة. ثم تأتي العقبات العملية: الجناة يختبئون خلف حسابات وهمية وأرقام دولية يصعب تتبعها، ومنهم من يستخرج شرائح بدل فاقد بتوكيلات دون علم أصحابها فيدخل إلى الحسابات من هذا الباب، والشبكة نفسها تنقطع وتضعف في مناطق واسعة، وكثير من الضحايا نازحون أو مغتربون لا يعرفون أين يبلغون. وفوق ذلك يخشى المحللون أن يتسع مفهوم «النشر الضار» فيختلط الاحتيال والتضليل الحقيقي بالتحليل الاقتصادي المشروع والنقد المهني. وبحكم عملي، أقول إن الاقتصاد لا يُدار بلا معلومة حرة، فسعر الصرف والسيولة وتكلفة المعيشة تُناقش علناً، ومن يخاف من الرقم يفقد القدرة على تصحيح الخطأ.
أما الحل فيبدأ بالفصل بين مسارين داخل الآلية نفسها: مسار حماية المال والخدمات المصرفية، ومسار المحتوى والنشر، لكل منهما معايير وإجراءات مختلفة. ويلزم تعريف قانوني دقيق للنشر الضار يستثني التحليل والنقد والتقارير المبنية على بيانات، مع اشتراط إذن قضائي مسبق لأي إجراء تجاه الصحفيين والمحللين. وعلى الجانب المصرفي ينبغي إنشاء منصة موحدة تربط النيابة والبنوك وشركات الاتصالات، بحيث يُجمد الحساب المشتبه به خلال ساعات، وتُلزَم شركات الاتصالات بتحقق بيومتري صارم قبل استخراج أي شريحة أو توكيل، وتتعاون الآلية مع المنصات الكبرى لحذف الصفحات المنتحلة لأسماء البنوك سريعاً. ويضاف إلى ذلك حملات توعية بسيطة بلغة الناس تقوم على قاعدة واحدة: لا جهة موثوقة تطلب منك رمزاً أو تحويلاً مقابل مساعدة. وأخيراً، تحتاج الآلية إلى نشر ربع سنوي لإحصاءات البلاغات والقضايا المحسومة، فلا يمكن لأحد أن يقيّم أداء جهة لا تعلن أرقامها.
وفي استشراف المستقبل، أرى ثلاثة مسارات محتملة. الأول أن تتحول الآلية إلى جهاز رقابة على المحتوى بينما يستمر الاحتيال في التمدد، فتزداد خسائر الأسر وتتراجع الثقة في الدفع الإلكتروني، وهو السبيل الوحيد المتاح لكثيرين. والثاني أن تُستخدم بتوازن فتخفف من الاحتيال وتضبط الشائعات التي تحرك سوق الصرف وتهز الثقة في المصارف. والثالث وسط بين الاثنين، تعمل فيه الآلية بنجاح محدود، ويظل السؤال معلقاً حتى تُعلن أرقامها وتُختبر نتائجها. والذي سيحسم الأمر هو التطبيق، فالقرار بحد ذاته لا يكفي لبناء الثقة. وفي بلد يعيش على التحويلات الرقمية، يصبح تأمين الحساب المصرفي لا يقل أهمية عن تأمين الحدود الرقمية، والآلية التي تحمي مدخرات الناس قبل منشوراتهم تكسب ثقة المجتمع قبل أن تطلبها.



