الأعمدة

جامعة الدول العربية.. عجزٌ أمام حروب الأشقاء أم فشلٌ في منظومة العمل العربي المشترك؟!

«العرب مغرمون بالخلافات».. مقولة شهيرة نُسبت إلى الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في ثمانينيات القرن الماضي، تبدو اليوم وكأنها تلخّص مأساة أمةٍ تجمعها اللغة والتاريخ والجغرافيا والدين، لكنها تعجز عن احتواء خلافاتها، حتى تحوّلت في كثير من الأحيان إلى حروب وصراعات يدفع ثمنها الأبرياء، وتستنزف مقدرات الشعوب ومستقبل الأجيال.
من اليمن إلى السودان، ومن سوريا إلى العراق ولبنان والصومال، تتكرر المأساة بأشكال مختلفة: دولٌ تنزف، وشعوبٌ تُهجّر، ومدنٌ تُدمّر، وثرواتٌ تُستنزف، فيما تتسع التدخلات الخارجية وتتضارب المصالح الإقليمية، وتتحول الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة وساحات لتصفية الحسابات.
وفي السودان، تتفاقم الكارثة الإنسانية بفعل الحرب المستمرة، وسط اتهامات تتعلق بالدعم الخارجي لأطراف النزاع، من بينها اتهامات موجّهة إلى الإمارات العربية المتحدة، وأخرى بشأن دعم من أطراف ليبية مرتبطة بخليفة حفتر. وهي اتهامات تستوجب التحقيق الجاد والمواقف الواضحة والمساءلة على أساس الأدلة، لا الصمت الذي يترك الشعب السوداني وحيداً في مواجهة المأساة.
وفي اليمن، تكشف التباينات الإقليمية، بما فيها الخلافات بين السعودية والإمارات، مدى هشاشة التوافق العربي حين تتقدم المصالح المتعارضة على متطلبات السلام والاستقرار. أما ما شهدته دول عربية أخرى من حروب وانقسامات، فيؤكد أن الأزمة ليست عابرة، بل خللٌ متجذر في منظومة العمل العربي المشترك.
وهنا يبرز السؤال: ما جدوى جامعة الدول العربية إذا عجزت عن منع الحروب بين أعضائها، أو احتواء خلافاتهم قبل أن تتحول إلى صراعات دامية؟
هل عجزت الجامعة عن أداء دورها، أم أن ميثاقها وآليات اتخاذ القرار فيها لم تعد كافية لمواجهة الأزمات الراهنة؟ أم أن المشكلة الأعمق تكمن في غياب الإرادة السياسية، وتضارب المصالح، وانعدام الثقة بين الحكومات العربية؟
الحقيقة أن مسؤولية هذا الإخفاق لا تقع على الجامعة وحدها؛ فهي لا تتحرك بمعزل عن إرادة الدول الأعضاء، ولا تستطيع تنفيذ قراراتها من دون تعاونهم والتزامهم. لكن ذلك لا يعفيها من المساءلة، بل يضعها أمام اختبار تاريخي: إما أن تطوّر أدواتها وتستعيد فاعليتها، وإما أن تبقى أسيرة الاجتماعات والبيانات، بينما تُحسم مصائر الشعوب على جبهات القتال.
إن الأزمة تتجاوز ضعف النصوص والمواثيق إلى غياب آليات فعالة للوساطة والإنذار المبكر، وعجز القرارات السياسية عن التحول إلى إجراءات عملية لاحتواء النزاعات. كما أن تراجع المساءلة وضعف المؤسسات والمشاركة الشعبية في عدد من الدول العربية يزيدان من هشاشة الاستقرار، ويجعلان الحوار أقل حضوراً أمام منطق القوة والسلاح.
فمن يستطيع جمع الأشقاء إذا عجزت جامعتهم عن توحيد موقفهم؟ ومن يوقف الحروب إذا كانت الخلافات بين الحكومات تتحول إلى وقود للاقتتال؟ ومن يحمي الشعوب عندما تتراجع المؤسسات الإقليمية عن مسؤولياتها؟
إن المطلوب ليس مؤتمراً جديداً تُلقى فيه الخطب، ولا بياناً يعبّر عن القلق بينما تستمر المدافع في حصد الأرواح. المطلوب إصلاح جاد لمنظومة العمل العربي المشترك، وتطوير آليات الجامعة، وتعزيز قدرتها على الوساطة المبكرة، ومتابعة تنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار، ومساءلة الأطراف التي يثبت تورطها في تأجيج النزاعات أو إطالة أمدها.
كما ينبغي إنشاء آلية عربية دائمة وفعالة لتسوية النزاعات، تتدخل قبل انفجار الأزمات، وتدعم حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية، وتعمل على تحقيق تسويات سياسية تحفظ سيادة الدول ووحدة أراضيها وحقوق شعوبها، بعيداً عن الإملاءات الخارجية وحسابات النفوذ.
ولا يعني التضامن العربي إلغاء الاختلافات بين الحكومات، بل إدارة تلك الاختلافات بالحوار والقانون، ومنع تحولها إلى حروب بالوكالة يدفع المواطن العربي ثمنها من أمنه ولقمة عيشه وحقه في الحياة. كما يتطلب ذلك احترام سيادة الدول، ورفض التدخلات التي تؤجج الصراعات، وعدم استخدام الشعارات القومية والدينية لتبرير سياسات تزيد الانقسام والدمار.
إن جامعة الدول العربية أمام مسؤولية تاريخية: فإما أن تتحول إلى مؤسسة فاعلة لصناعة السلام وحماية الأمن العربي، وإما أن يستمر التساؤل المشروع عن جدوى منظومة أُنشئت لتعزيز التضامن، بينما تعجز عن تحويله إلى موقف عملي عند الأزمات.
أوقفوا نزيف الدم العربي! لا تجعلوا الأوطان ساحات لتصفية الحسابات، ولا تحولوا الخلافات السياسية إلى مبررات لحروب تُدمّر الدول وتُشرّد الشعوب. فالدم العربي ليس ورقة للمساومة، وسيادة الدول ليست شعاراً يُرفع وفقاً للمصالح.
يا جامعة الدول العربية، أين دورك من حروب الأشقاء؟ وإلى متى يظل تحركك أقل من حجم المأساة؟
آن الأوان للانتقال من إدارة الخلافات إلى حلّها، ومن بيانات القلق إلى إجراءات ملموسة، ومن الاكتفاء بالدعوة إلى السلام إلى بناء آليات قادرة على حمايته.
فالتاريخ لن يقيس نجاح الجامعة بعدد اجتماعاتها وبياناتها، بل بقدرتها على منع الحروب، واحتواء النزاعات، وحماية أرواح البشر.
كفى حروباً بين الأشقاء.. كفى استنزافاً للدم العربي.. وكفى عجزاً باسم العمل العربي المشترك!

زر الذهاب إلى الأعلى