العائدون إلى السودان قسراً.. المستجيرون من الرمضاء بالنار
كيف تحوّلت العودة إلى الوطن، التي يفترض أن تكون نهاية المعاناة، إلى مغامرة جديدة في مواجهة الفقر وغلاء المعيشة وانعدام الأمن؟!

✍️ محمد الفاتح حضرة
ليست كل عودة إلى الوطن دليلاً على تحسّن الأوضاع فيه، وليست كل عودة قراراً اتخذه صاحبها بكامل إرادته. فقد يضطر الإنسان إلى مغادرة بلد اللجوء، لا لأن وطنه أصبح آمناً أو لأن الحياة فيه صارت أفضل، وإنما لأن تكاليف البقاء في الخارج تجاوزت قدرته على الاحتمال.
وهكذا يجد بعض السودانيين أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: البقاء في مصر تحت ضغط الإيجارات وتكاليف المعيشة، أو العودة إلى السودان، حيث تنتظرهم آثار الحرب والدمار وفقدان مصادر الدخل، فضلاً عن المخاوف الأمنية وتكاليف إعادة بناء حياة فقدوا كثيراً من مقوماتها.
إنهم، في بعض الحالات، لا يعودون لأن السودان أصبح أفضل، وإنما لأن البقاء في مصر أصبح فوق طاقتهم.
وهنا تكمن المأساة التي ينبغي أن نتوقف عندها، لا لنلوم من اضطر إلى العودة، وإنما لنسأل: من الذي أوصل السودانيين إلى هذه الخيارات القاسية؟ ومن المسؤول عن حرب دمّرت مصادر رزقهم، وأفقرت أسرهم، ودفعتهم إلى النزوح واللجوء، ثم جعلت بعضهم يفكر في العودة إلى واقع لا يملك فيه مقومات الحياة الكريمة؟!
### 🛑 من حياة كانت ممكنة في القاهرة إلى معركة يومية من أجل البقاء
🤔 هل يتذكر السودانيون كيف كانت تكاليف المعيشة في القاهرة عند اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، مقارنة بما أصبحت عليه اليوم؟!
في بداية الحرب، كان بعض السودانيين العاملين في مصر يستطيعون تدبير شؤون أسرهم بإمكانات محدودة، بحسب مستوى الدخل ومكان السكن وطبيعة الحياة. وكان راتب قدره 150 ألف جنيه سوداني شهرياً قد يتيح لبعضهم استئجار شقة مفروشة في أحياء القاهرة القديمة بإيجار يتراوح بين 4 آلاف و7 آلاف جنيه مصري، بينما كان من يتقاضى 500 ألف جنيه سوداني يستطيع أن يعيش في ظروف أفضل نسبياً.
أما اليوم، فقد تغيّرت المعادلة بصورة قاسية، بفعل تدهور قيمة الجنيه السوداني وارتفاع تكاليف السكن والمعيشة.
وبحسب التقديرات التي يتداولها السودانيون في هذه الظروف، قد يصل إيجار شقة بسيطة في القاهرة إلى ما يعادل مليوناً وثلاثمائة ألف جنيه سوداني بالعملة الحالية، أي مليار وثلاثمائة مليون جنيه بالعملة القديمة، وذلك للإيجار وحده، دون طعام أو مواصلات أو علاج أو تعليم أو بقية احتياجات الأسرة.
أما تكاليف المعيشة الأخرى لأسرة متوسطة، فقد تبلغ نحو مليون جنيه سوداني إضافي أو أكثر. وبذلك قد تقترب التكلفة الشهرية الإجمالية من مليونين ونصف المليون جنيه سوداني بالعملة الحالية، أي مليارين وخمسمائة مليون جنيه بالعملة القديمة، بحسب ظروف الأسرة ومستوى إنفاقها.
🤔 فكيف يستطيع موظف أو عامل سوداني تحمّل هذه التكاليف، بينما يبلغ متوسط راتب الأستاذ الجامعي في السودان، وفق التقديرات المتداولة، نحو 750 ألف جنيه سوداني شهرياً؟!
إن تكلفة المعيشة في القاهرة، وفق هذه الأرقام، قد تتجاوز ثلاثة أضعاف راتب الأستاذ الجامعي السوداني، بل إن الإيجار وحده قد يفوق راتبه.
وهكذا يصبح البقاء في مصر عبئاً يفوق قدرة كثير من الأسر، حتى إن كانت قد وجدت فيها الأمان النسبي الذي افتقدته في وطنها.
لكن السؤال الأهم: هل يعني العجز عن تحمّل تكاليف الحياة في مصر أن العودة إلى السودان أصبحت حلاً؟ أم أن بعض العائدين ينتقلون من أزمة اقتصادية إلى أزمة أشد قسوة؟!
### 🛑 العودة إلى السودان.. هل انتهت المعاناة أم تغيّر مكانها؟!
🤔 ماذا ينتظر العائد السوداني حين يصل إلى وطنه، وقد يفقد منزله أو عمله أو مدخراته، ويجد نفسه مضطراً إلى استئجار مسكن جديد والبحث عن مصدر دخل في اقتصاد أنهكته الحرب؟!
إن المشكلة لا تبدأ من ارتفاع الإيجارات وحده، بل من انهيار منظومة الحياة التي كانت تمكّن المواطن من كسب رزقه والإنفاق على أسرته.
فالحرب لم تدمّر المنازل والأسواق والمنشآت فحسب، وإنما دمّرت أيضاً فرص العمل، وأوقفت أنشطة اقتصادية، وأضعفت الإنتاج، ودفعت أصحاب المهن والأعمال إلى النزوح، وبدّدت مدخرات أسر كثيرة، وأفقدت العملة الوطنية جانباً كبيراً من قيمتها الشرائية.
ومن ثمّ، فإن المواطن الذي يعود إلى السودان لا يعود بالضرورة إلى منزله السابق، ولا إلى وظيفته القديمة، ولا إلى مصدر رزقه الذي كان يعتمد عليه قبل الحرب.
قد يعود ليجد منزله مدمراً أو محتلاً، أو يجد أن المنطقة التي كان يسكنها لم تعد صالحة للحياة، فيضطر إلى استئجار مسكن جديد، بينما لا يملك دخلاً ثابتاً يكفي لتغطية احتياجات أسرته الأساسية.
وفي بعض المناطق، وصلت إيجارات المساكن، بحسب تقديرات وشهادات متداولة، إلى نحو مليون جنيه سوداني شهرياً أو أكثر، وقد تبلغ في بعض أحياء الخرطوم نحو مليون ونصف المليون جنيه، وترتفع إلى مليوني جنيه أو أكثر للمساكن المجهزة بالطاقة الشمسية.
وهذه ليست أسعاراً موحّدة في جميع أنحاء السودان، لكنها مؤشرات على حجم الضغوط التي يواجهها العائدون في بعض الأسواق والمناطق.
🤔 فما جدوى العودة إلى الوطن إذا كان المواطن لا يجد مسكناً يستطيع تحمّل إيجاره، ولا عملاً يوفّر له الحد الأدنى من الدخل، ولا خدمات أساسية تضمن له ولأسرته حياة كريمة؟!
### 🛑 حتى الخبز والمواصلات أصبحا عبئاً يفوق الراتب!
لنأخذ مثالاً بسيطاً يوضح حجم المأساة.
إذا افترضنا أسرة مكوّنة من ستة أفراد، وكان نصيب الفرد من الخبز في الوجبة الواحدة يعادل 3 آلاف جنيه سوداني، فإن الأسرة تحتاج إلى نحو 9 آلاف جنيه يومياً لتوفير الخبز وحده لثلاث وجبات، أي قرابة 270 ألف جنيه شهرياً، وقد نقرّبها إلى 300 ألف جنيه.
وهذا المبلغ لا يشمل بقية الطعام، ولا الماء والكهرباء والدواء والإيجار والتعليم والملابس وسائر متطلبات الحياة.
🤔 كيف تستطيع أسرة أن تعيش إذا كانت تحتاج إلى نحو 300 ألف جنيه شهرياً للخبز وحده، بينما لا يكفي دخلها لتغطية الحد الأدنى من احتياجاتها؟!
وإذا انتقلنا إلى المواصلات، فإن الصورة لا تقل قسوة.
فبحسب تقديرات متداولة، قد تبلغ تكلفة مشوار واحد بعربة «الركشة» في بعض مناطق مدني نحو 50 ألف جنيه سوداني.
أما العامل أو الموظف الذي يسكن في أم درمان ويضطر إلى الانتقال يومياً إلى وسط الخرطوم، ثم إلى مناطق أخرى جنوباً أو شرقاً، قبل أن يعود إلى منزله، فقد تصل تكلفة تنقله اليومية إلى نحو 25 ألف جنيه، بحسب المسار والوسائل المستخدمة.
وعلى أساس 28 يوم عمل في الشهر، تصبح تكلفة المواصلات وحدها نحو 700 ألف جنيه شهرياً.
🤔 ماذا يتبقى للأستاذ الجامعي الذي يبلغ راتبه، وفق أحد التقديرات المتداولة، نحو 750 ألف جنيه سوداني، إذا أنفق قرابة 700 ألف جنيه على المواصلات وحدها؟!
يتبقى له نحو 50 ألف جنيه، قبل أن يشتري الخبز أو بقية الطعام، وقبل أن يدفع إيجار المنزل أو فاتورة العلاج أو أي التزام آخر.
هذه ليست معادلة حياة طبيعية، بل معادلة استنزاف يومي للإنسان، تجعل العمل نفسه عاجزاً عن توفير الحد الأدنى من مقومات البقاء.
وإذا كان هذا حال بعض الموظفين وأصحاب الدخول المحدودة، فكيف يكون حال من فقدوا وظائفهم، أو توقفت أعمالهم، أو أُجبروا على النزوح واللجوء، ثم عادوا إلى مناطق لا تتوافر فيها فرص كافية لكسب الرزق؟!
### 🛑 الحرب لا تقتل الناس بالسلاح وحده!
💢 إن آثار الحرب لا تُقاس بعدد القتلى والجرحى والمنازل المدمرة فقط، على فداحة هذه الخسائر، وإنما تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية التي قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تتحول إلى كوارث متراكمة حين تجتمع.
فالحرب ترفع تكاليف النقل، وتعرقل حركة البضائع، وتضعف الإنتاج، وتدمّر البنية التحتية، وتدفع العملة إلى مزيد من التدهور، وتقلّص قدرة الدولة على تقديم الخدمات، وتحوّل الاحتياجات الأساسية إلى أعباء لا تستطيع الأسر تحمّلها.
كما أنها تجعل إعادة بناء الحياة أكثر صعوبة؛ لأن من فقد منزله يحتاج إلى المال ليستأجر بديلاً، ومن فقد عمله يحتاج إلى فرصة جديدة، ومن استُنزفت مدخراته يحتاج إلى رأس مال يبدأ به من جديد، ومن اضطر إلى اللجوء يحتاج إلى تكاليف العودة والاستقرار.
وكل ذلك يحدث في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى العلاج والتعليم والغذاء والمياه والكهرباء والأمن.
🤔 فكيف يُطلب من المواطن أن يعيد بناء حياته، بينما تستمر الحرب التي تهدم ما يحاول بناءه؟!
وكيف يمكن الحديث عن عودة ملايين النازحين واللاجئين، دون خطة واقعية لتوفير الأمن والسكن وفرص العمل والخدمات الأساسية؟!
إن العودة الآمنة ليست مجرد عبور الحدود إلى داخل الوطن؛ إنها القدرة على العيش فيه دون خوف، ودون جوع، ودون أن يُدفع الإنسان إلى النزوح مرة أخرى بحثاً عن الأمان أو لقمة العيش.
### 🛑 من المسؤول عن تحويل الوطن إلى مكان يعجز أبناؤه عن العيش فيه؟!
في تقديري، لا يمكن فهم هذه الكارثة الاقتصادية والإنسانية بمعزل عن المسار السياسي الذي قاد السودان إليها.
فالحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 لم تبدأ من فراغ، ولم تكن قدراً لا يمكن تجنّبه. فقد سبقتها سنوات من الصراع على السلطة، والانقلابات العسكرية، وإجهاض فرص الانتقال المدني الديمقراطي.
وفي 25 أكتوبر 2021، انقلب قائدا الجيش والدعم السريع على الشراكة الانتقالية، وقوّضا المسار الدستوري الذي كان من المفترض أن يقود البلاد نحو حكم مدني وانتخابات حرة.
ثم اندلعت الحرب بين الطرفين في 15 أبريل 2023، فدفع الشعب السوداني الثمن الأكبر: القتل والنزوح واللجوء والدمار وانهيار الاقتصاد وتدهور شروط الحياة.
ولا يجوز أن ننسى مسؤولية قيادتي الجيش والدعم السريع عن الوصول إلى هذه الكارثة، ولا مسؤولية القوى السياسية والجماعات التي دعمت استمرار الحرب، أو سوّغت الانقلابات، أو جعلت بقاءها في السلطة أهم من حياة المواطنين ومستقبل البلاد.
كما لا يمكن تجاهل دور جماعة ما يُسمّى بالحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض، وعناصرهما داخل مؤسسات الدولة وقيادة الجيش، في الصراع على السلطة وفي مقاومة التحول المدني الديمقراطي.
فحين تُقدَّم الحرب باعتبارها معركة لا يجوز وقفها، وتُرفع شعارات التعبئة والتخوين والتخويف، ويُصوَّر السلام وكأنه هزيمة، يصبح المواطن هو الذي يدفع ثمن هذه الحسابات من دمه وماله ومستقبل أبنائه.
💢 أي كرامة تُصان إذا كان المواطن يفقد منزله ورزقه، ويُهجّر من وطنه، ثم يعود إليه مضطراً لأنه لم يعد قادراً على تحمّل تكاليف اللجوء؟!
وأي انتصار يمكن الحديث عنه إذا كان الأستاذ الجامعي لا يستطيع أن ينفق على أسرته من راتبه، والعامل لا يكفيه دخله للانتقال إلى عمله، والأسرة تحسب تكلفة الخبز قبل أن تفكر في بقية احتياجاتها؟!
إن الكرامة الحقيقية تبدأ من حماية حياة الإنسان وأمنه وحقه في العمل والسكن والتعليم والعلاج، ومن إقامة دولة تحترم مواطنيها، لا من إطالة حرب تستنزفهم ثم مطالبتهم بتحمّل نتائجها بصمت.
### 🛑 وماذا لو استمرت الحرب أربع سنوات أخرى؟!
🤔 إذا كانت هذه هي الأوضاع في أكتوبر 2026، فكيف ستكون حياة السودانيين إذا استمرت الحرب حتى عام 2030؟!
لا أحد يستطيع أن يجزم بمستويات الأسعار التي ستصل إليها البلاد بعد أربع سنوات، لأن ذلك يتوقف على مسار الحرب، والسياسات الاقتصادية، والإنتاج، وسعر الصرف، وحجم المساعدات والاستثمار وإعادة الإعمار.
لكن يمكننا أن ندرك خطورة استمرار الاتجاه الحالي من خلال مثال حسابي افتراضي، لا باعتباره تنبؤاً مؤكداً بما سيحدث.
فإذا ارتفعت تكلفة الخبز الشهرية لأسرة من ستة أفراد من 300 ألف جنيه إلى الضعف تقريباً خلال أربع سنوات، فستحتاج الأسرة إلى نحو 600 ألف جنيه شهرياً للخبز وحده. وإذا تضاعفت تكلفة المواصلات التي تبلغ حالياً نحو 700 ألف جنيه، فستقترب من مليون وأربعمائة ألف جنيه شهرياً. وإذا تضاعف إيجار منزل يبلغ مليوناً ونصف المليون جنيه، فسيصل إلى نحو ثلاثة ملايين جنيه شهرياً.
وإذا كانت الزيادات أكبر من ذلك، فإن الأعباء ستصبح أشد قسوة، خصوصاً إذا لم ترتفع الدخول بالقدر نفسه، أو إذا فقد المواطنون وظائفهم ومصادر رزقهم.
هذه أمثلة افتراضية لتوضيح أثر استمرار الغلاء، وليست توقعات مؤكدة للأسعار المستقبلية.
لكن السؤال الذي لا يحتاج إلى حسابات معقدة هو: كيف يمكن لدولة أن تستعيد عافيتها، بينما تتواصل الحرب التي تستنزف مواردها وتدمّر اقتصادها وتدفع أبناءها إلى الهجرة واللجوء؟!
إن استمرار الحرب لا يعني فقط مزيداً من الدمار اليوم، بل يعني أيضاً تضييق الخيارات أمام الأجيال القادمة، وتراكم الديون والخسائر، وتراجع فرص التعليم والعمل، وإطالة زمن التعافي وإعادة الإعمار.
وكل سنة إضافية من الحرب قد تعني مزيداً من الأسر التي تفقد منازلها، ومزيداً من الشباب الذين يضيع مستقبلهم، ومزيداً من السودانيين الذين يضطرون إلى مغادرة وطنهم أو العودة إليه من دون مقومات الاستقرار.
### 🛑 أما آن لهذا الشعب أن يستعيد قراره؟!
إن مأساة العائدين إلى السودان قسراً ليست قضية تخص اللاجئين وحدهم، ولا مشكلة يمكن حلها بتقديم مساعدات محدودة أو بتوجيه الدعوات إلى الناس للعودة.
إنها جزء من أزمة وطنية أوسع، لن تُحل إلا بوقف الحرب، وتحقيق الأمن، واستعادة الحكم المدني، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس القانون والمساءلة، وتهيئة الظروف التي تسمح للمواطن بأن يعيش في وطنه بكرامة وأمان.
ولا يكفي أن يُقال للسودانيين إن وطنهم ينتظرهم، بينما لا تتوافر لهم ضمانات الأمن والسكن والعمل والخدمات. فالوطن ليس مجرد أرض يعود إليها الإنسان، بل دولة تحميه، وقانون ينصفه، ومؤسسات تخدمه، ومستقبل يستطيع أن يخطط له دون أن يظل مهدداً بالحرب والانقلاب والنزوح.
وفي تقديري، كان يمكن تجنيب السودان كثيراً من هذه المآسي لو احترمت القوى العسكرية والسياسية حق الشعب في التداول السلمي للسلطة، ولو تُركت صناديق الاقتراع لتفصل بين المتنافسين بدلاً من البنادق والانقلابات والحروب.
فالحكم ليس غنيمة تستولي عليها جماعة، ولا امتيازاً يحتكره حزب، ولا حقاً أبدياً تمنحه القوة المسلحة لمن تشاء. الحكم مسؤولية يختار الشعب من يتولاها، ويحاسبه، ويستبدله بغيره عبر انتخابات حرة ونزيهة.
وهذا لا يتحقق بمجرد إجراء الانتخابات شكلياً، بل يحتاج إلى ضمانات دستورية وقضائية قوية ومستقلة، وإلى قضاء لا يخضع لقائد الجيش أو رئيس الوزراء، ولا يكون تعيين قياداته رهناً بإرادة الحاكم، بل تحكمه معايير قانونية تضمن استقلاله وقدرته على حماية الدستور وحقوق المواطنين.
🤔 فكيف لشعب عاقل وحكيم أن يسمح للعسكر بالتلاعب بمصيره هكذا، هم وشركاؤهم من جماعة ما يُسمّى بالحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض، وعناصرهم داخل قيادة الجيش؟!
🤔 بل كيف لمؤسسة عريقة كالجيش السوداني أن تسمح لجماعة سياسية خبيثة وحزب خبيث باختراقها إلى هذا الحد، واستغلالها في تنفيذ أجندتهما السياسية، بدلاً من أن تبقى مؤسسة وطنية مهنية تحمي البلاد والدستور، ولا تتحول إلى أداة في صراع الأحزاب والجماعات على السلطة؟!
🤔 وإلى متى سيظل الشعب السوداني على هذه الحال، لعبةً في أيدي بعض الأحزاب والجماعات والطوائف، يدفع من دمه وأمنه وماله ومستقبل أبنائه ثمن صراعاتها على الحكم؟!
ما أسهل أن يتجنب الشعب كثيراً من هذه المآسي والكوارث، لو اتفقت القوى السياسية والعسكرية على قاعدة واضحة لا استثناء فيها: التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة، وصناديق اقتراع تحترم إرادة الناخبين، ورقابة قضائية ودستورية قوية ومستقلة، لا يعيّنها قائد الجيش ولا رئيس الوزراء وفق أهوائهما، ولا تخضع لأي حزب أو جماعة.
عندها فقط يصبح اختلاف السودانيين في السياسة أمراً طبيعياً يُحسم بالحوار والانتخابات، لا سبباً للانقلاب والحرب والقتل والنزوح واللجوء.
وعندها لن يضطر المواطن إلى الاختيار بين غلاء اللجوء ومأساة العودة، ولن يصبح استئجار منزل أو توفير الخبز والمواصلات معركة يومية تهدد حياة أسرته.
🤔فهل سيتعلم السودانيون من هذه المأساة، ويستعيدون حقهم في تقرير مصيرهم، أم سيستمرون في دفع الثمن نفسه، مرة بعد أخرى، لأن بعض القوى المتحالفة مع قادة الجيش لا تريد أن تتخلى عن السلطة، ولو كان ثمن بقائهم هو خراب الوطن وتشريد الشعب السوداني عن بكرة أبيه؟‼️



