
(موطئ قلم)
محمد عبد الله برقاوي
لا يغيب عن البصائر التي تتجاوز مدى رؤية البصر أن من يتأمل واقع الحرب السودانية، بعد ما يقارب أربعة أعوام من اندلاعها، يلحظ فتورًا واضحًا بدأ يعتري الشعور العام، الذي لطالما استمات إعلام داعمي الحرب في شحنه وتعبئته بإطلاق الشعارات المستفزة لكرامة الإنسان، الذي لا نشك في أنه قد تلقى طعنات دامية من منسوبي الدعم السريع، الذين تجاوزت تصرفاتهم كل معايير أخلاقيات الحروب، إن كان للحروب أدبيات أو أخلاقيات أصلًا!
غير أن ذلك لا ينبغي أن يحجب حقيقة أخرى، تتمثل في انفراد طرف متمكن بالآلة الإعلامية الداخلية التي تخدم جهة بعينها، بتصويرها وكأنها الجهة المثالية المجردة من كل غاية، والتي تحمل وحدها العبء الخالص من كل غرض ذاتي في الدفاع عن الوطن والذود عن هيبة الدولة، متجنبةً الإشارة إلى أن الضرر الحقيقي الذي يقع على الوطن والدولة والمواطن المغلوب على أمره إنما هو حصيلة الحرب برمتها، التي لا تقف بالطبع على ساق واحدة في ساحة المعارك!
والآن، ومن خلال متابعتنا لأدوات التواصل الاجتماعي على مختلف منصاتها، نلاحظ تراجعًا واضحًا في ذلك الحماس المتصاعد حيال أهمية استمرار الحرب، التي بدأت آثارها تتجاوز غياب الدولة عن حياة المواطن، وانعدام جلّ خدماته الأساسية، وتدهور أوضاعه المعيشية التي باتت دون حد الكفاف، لتصل إلى ترسخ قناعات لدى الأغلبية العظمى من الشارع السوداني بضرورة الانحياز إلى الحل السلمي، بعيدًا عن تصعيد لغة البل، التي ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أنها كانت تُوظَّف بمنهجية عالية من جهات لها مصلحة في استمرار الحرب، لحاجة في نفس يعقوب!
ولعل التحركات التي تقوم بها أطراف الحرب، سعيًا وتواصلًا عبر البوابات الخلفية، بحثًا عن سبل للحل بديلًا عن لغة البل، كما تسرب أخيرًا عبر الوسائط، رغم صمت تلك الأطراف وتكتم آلياتها الإعلامية، تؤكد أن ما يُقال في العلن ليس بالضرورة هو ما يجري في الخفاء، وأن لغة التصعيد التي تُسوَّق للجماهير قد لا تعكس بالضرورة حقيقة ما يدور في حسابات أصحاب القرار.
كل ذلك يثبت أن الإصرار على سردية الحسم العسكري قد خفت صوته بصورة جلية، نتيجة بلوغ أطراف الحرب مرحلة توازن الضعف، وتراجع التأييد الشعبي لذلك الخيار الصفري الذي لن يجدي، مهما طال أمد الحرب، سوى مزيد من إزهاق الأرواح، وتأخير خطى الوطن، وتفتيت عضد المجتمع، وتضييق فرص الحياة الكريمة أمام الناس.
ولن تنفع السودانيين شعاراتٌ تزعم أن الحرب هي الأداة الوحيدة لاستعادة الكرامة الوطنية، تلك الكرامة التي أهدرها أطراف الحرب أنفسهم، حينما اختلفا حول المصالح الذاتية، بعد أن كانا حليفين في الماضي القريب، في خلاف لا يمت إلى المبادئ الوطنية الخالصة بأي صلة!
والله من وراء القصد..



