
عبد الكريم البليخ
في المساحات الخفية من الحياة الزوجية، حيث لا تُرى المشاعر بوضوح ولا تُقال الكلمات كما ينبغي، يتشكّل صمتٌ كثيف يلفّ الرجل، ويقابله احتياجٌ عميق يتنامى في داخل المرأة. ليس هذا الصمت مجرد غيابٍ للكلام، بل هو حالة نفسية معقدة، تتراكم فيها الضغوط والتوقعات، حتى يصبح الرجل وكأنه ينسحب إلى داخله، مكتفياً بما يختزنه من أفكار لا تجد طريقها إلى التعبير.
الزوج، في كثير من الأحيان، لا يُربّى على الإفصاح، ولا يُشجَّع على البوح. يُطلب منه أن يكون صلباً، متماسكاً، قليل الشكوى، فيتعلم مع الزمن أن يُخفي هشاشته، وأن يُغلّف احتياجاته بطبقة من الصمت. لكنه، في عمق هذا الصمت، لا يكون خالياً من الشعور، بل ممتلئاً بما لم يُفهم، وبما لم يُستقبل كما ينبغي. وحين يعجز عن ترجمة ذاته بالكلمات، يختار الانسحاب، ظناً منه أن الصمت أقل كلفة من سوء الفهم.
في المقابل، تقف الزوجة في مساحة مختلفة تماماً. هي لا تبحث فقط عن وجودٍ جسدي أو أداءٍ يومي للواجبات، اليومية من مسح وكنس وغير ذلك من أعمال البيت، بل تتوق إلى حضورٍ عاطفي حيّ، إلى كلمة تُطمئنها، إلى التفاتة تُشعرها بأنها مرئية ومفهومة. احتياجها ليس ضعفاً، بل تعبير عن طبيعتها الإنسانية التي ترى في التواصل جسراً للأمان، وفي الحوار وسيلة لترميم ما يتصدع في الداخل.
لكن المأساة الهادئة تنشأ حين يلتقي صمت الرجل مع احتياج المرأة. فكلما ازداد هو انغلاقاً، ازداد في داخلها الشعور بالإهمال، وكلما حاولت هي الاقتراب، قد يزداد هو ابتعاداً، وكأن كلاً منهما يسير في اتجاهٍ معاكس، دون أن يدرك أن المسافة بينهما تتسع بصمت.
المرأة، في لحظات ضعفها، لا تطلب الكثير كما يبدو في ظاهر الأمر؛ إنها تبحث عن اعترافٍ خفي بوجودها، عن اهتمامٍ يُعيد إليها شعورها بالقيمة، عن شريكٍ لا يكتفي بأن يكون حاضراً جسداً، بل روحاً وإحساساً. وحين لا تجد ذلك، تبدأ في تأويل الصمت على أنه تجاهل، أو برود، أو حتى رفض غير معلن.
أما الرجل، فقد يرى في مطالبها ضغطاً إضافياً لا يعرف كيف يتعامل معه. يشعر أحياناً أنه مُطالب بما يفوق قدرته التعبيرية، فيزداد صمته كثافة، وكأنه يختبئ خلفه من عجزٍ لا يريد الاعتراف به. وهكذا، يتحول الصمت من حالة عابرة إلى نمطٍ دائم، وتتحول الحاجة من طلب بسيط إلى شعورٍ مزمن بالنقص.
غير أن هذه الدائرة ليست قدراً محتوماً. فحين يُدرك الرجل أن صمته لا يحميه بل يُباعده، قد يبدأ في كسر هذا الحاجز، ولو بكلمات قليلة صادقة. وحين تفهم المرأة أن خلف الصمت عالماً معقداً لا يُختصر في اللامبالاة، قد تتعلم كيف تُنصت بطريقة لا تُشعره بالاتهام.
العلاقة، في جوهرها، ليست صراعاً بين صمتٍ واحتياج، بل محاولة مستمرة للقاء في منتصف الطريق. أن يتعلم الرجل أن البوح ليس ضعفاً، وأن تدرك المرأة أن الاحتياج لا يعني الإلحاح القاسي، بل التعبير الواعي.
هناك، في تلك المنطقة الوسطى، يمكن للصمت أن يتحول إلى إصغاء، وللاحتياج أن يتحول إلى تواصل. وهناك فقط، لا يعود أحدهما غريباً عن الآخر، بل يصبح كلٌّ منهما مرآةً يرى فيها ذاته بوضوحٍ وطمأنينة.



