الأعمدةرأي امدر تايمز

الخبير المصرفي وليد دليل يكتب..بقوة القرار لا بقوة الشعار: البرهان يتدخل لفتح باب الغذاء

حين تتعثر السياسات في دهاليز الوزارات، يصبح تدخل رأس الدولة أحياناً الطريق الوحيد لكسر الجمود. وهذا ما يبدو أنه حدث مع التوجيه المنسوب إلى رئيس مجلس السيادة، القائد العام الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بإنهاء حظر استيراد المواد الغذائية وفتح الباب لجميع المستوردين، مع إعفائهم من الجمارك والرسوم وسائر القيود، وإدراج توحيد سعر الصرف في مسار القرار مستقبلاً، واستدعاء وزيري المالية والتجارة لتنفيذه. والخبر ما زال في حدود ما نقله إبراهيم السيدح وما تداولته الأوساط، ولم تصدر به وثيقة رسمية تحدد السلع والمدة والآليات، لكن دلالته الاقتصادية والسياسية تستحق التوقف عندها، لأنه يأتي في لحظة بلغ فيها الدولار في السوق الموازية عشرة آلاف جنيه، بتراجع للعملة قدره 60% خلال الأشهر الأخيرة، في حين كان سعره قبل الحرب نحو 600 جنيه.

لم يأتِ هذا التدخل من فراغ، فقد سبقته تجربة حظر لم تحقق ما رُسم لها. ففي أبريل حظر مجلس الوزراء استيراد أكثر من أربعين سلعة وُصفت بالكمالية وغير الضرورية، وانتهت التجربة، بحسب غرفة المستوردين، إلى أن السلع المحظورة مثّلت نحو 11% من واردات 2025 لكنها أسهمت بأكثر من 38% من الإيرادات الجمركية والضريبية في الموانئ. أي أن الدولة تنازلت عن أكثر من ثلث إيرادات الموانئ لتوفّر عُشر فاتورة الاستيراد، ثم واصل الجنيه هبوطه. وانعكس ذلك على الأسواق مباشرة، فبلغ الكيس زنة خمسين كيلوغراماً من السكر 280 ألف جنيه في مطلع سبتمبر حين كان الدولار عند سبعة آلاف، وتأرجح في منتصفه بين 450 ألفاً و370 ألفاً في يومين متتاليين، وهو تذبذب يكشف أن التسعير يتبع الدولار قبل أي اعتبار آخر.

وللغذاء في الميزانية الأسرية وزن لا يحتمل التجربة والخطأ، فهو يستأثر بـ52.89% من إنفاق الأسرة السودانية. وقد أعلن الجهاز المركزي للإحصاء أن التضخم السنوي بلغ 26.14% في أغسطس، وارتفع في المدن إلى 38.05%، وهو رقم يراه كثيرون أدنى من الواقع الذي تعكسه الأسواق. والسياق الإنساني أثقل من الأرقام، إذ تتحدث التقارير الأممية عن نحو مئتي ألف شخص يعانون المجاعة. وفي ظل هذه المعطيات يكتسب تدخل رأس الدولة وجاهته، فالقرارات التي تمس قوت الناس لا تحتمل التردد بين الجهات، ومن يملك الحسم ينبغي أن يحسم.

وللقرار، إن نُفّذ كما أُعلن، مكاسب واضحة. فالإعفاء من الجمارك والرسوم والقيود يعني أن كلفة السلعة المستوردة ستنحصر في قيمتها وتكلفة شحنها، وتوسيع دائرة المستوردين يكسر الاحتكار ويعيد المنافسة، وإنهاء الحظر يضعف حوافز التهريب عبر الحدود المفتوحة. وملف القمح أوضح الأمثلة على الحاجة الملحّة، فقد بلغت الواردات 1.7 مليون طن في 2025 مقابل 2.7 مليون طن قبل الحرب، ونحو 1.3 مليون طن في النصف الأول من 2026، وتتوقع وزارة الزراعة الأمريكية أن تبلغ 2.8 مليون طن في موسم 2026/27. فالحاجة إلى الاستيراد في تصاعد، وتأخير تيسيره ثمنه ندرة تُسعَّر بالدولار.

غير أن ما يبقى في الكلفة بعد الإعفاء، وهو قيمة السلعة وشحنها، يُدفع بالدولار كله. ومعنى ذلك أن سعر الصرف يصير العنصر الحاسم في السعر النهائي، فالمستورد الذي يشتري عملته من سوق ارتفع فيها الدولار 20% في شهر واحد سيُسعّر بضاعته على هذا الأساس مهما أُسقط عنها من رسوم. ومن هنا تأتي أهمية ما أُفيد عن توحيد سعر الصرف، فالسعر الرسمي يبقى عند 4,200 جنيه مقابل عشرة آلاف في السوق، أي أن الفجوة تتجاوز الضعفين، وهي التي تغذي المضاربة وتدفع عوائد الصادر خارج القنوات المصرفية، حتى لم تسجل الشركة السودانية للموارد المعدنية إلا صادرات بنحو 20 طناً من أصل إنتاج مقدّر بـ70 طناً. ويكفي أن الدولار الجمركي نفسه رُفع هذا الأسبوع إلى أكثر من 5,600 جنيه وما زال بعيداً عن السوق.

وتوحيد السعر يحمل فرصة وخطراً في آن واحد. فإن جاء مدروساً ومتدرجاً ومعلناً، ومسبوقاً بتدفق النقد الأجنبي عبر المصارف، أغلق الفجوة وأعاد الثقة إلى المنظومة. وإن جاء قريباً من سعر السوق دون نقد كافٍ في المصارف، صار اعترافاً بالانهيار لا علاجاً له، وإن جاء بعيداً عنه ظلت السوق الموازية قائمة. وتزداد حساسية المسألة لأن الإعفاء الكامل يُسقط إيراداً جمركياً تحتاجه موازنة تعاني العجز، ويستلزم تعويضه بإدارة أفضل لعوائد الذهب والصادرات.

ولذلك فالمخرج في حزمة تحوّل التوجيه إلى سياسة: إعفاء فوري للسلع الاستراتيجية، وهي القمح والدقيق والسكر والزيوت والأرز وحليب الأطفال، مع تحديد القائمة والمدة بقرار مكتوب، وتوحيد سعر الصرف على مراحل معلنة، وتوفير النقد الأجنبي عبر المصارف من حصيلة الصادر قبل كل خطوة لا بعدها، وضبط الرسوم الولائية حتى لا تُستعاد في الطريق جباية ما أُسقط في الميناء، مع حماية انتقائية للمنتج المحلي ونشر تقارير أسعار دورية وتحديد هوامش الربح.

أما الاستشراف، فإن صدر القرار مكتوباً ومعه ضمان النقد الأجنبي وتنسيق الجهات وجدول واضح للتوحيد، فالمتوقع تحسن في توافر السلع وتراجع تدريجي في أسعار الأصناف المشمولة، دون أن يكون الانخفاض شاملاً ما دام الجنيه يهوي، ودون أن يبلغ هدف وزير المالية بخفض التضخم إلى ما لا يزيد على 60% بنهاية 2026 بالإعفاء وحده. وإن ظل التوجيه بلا تفاصيل، فسيلقى مصير الحظر السابق: ضجة ثم تراجع قصير ثم عودة إلى المسار القديم.

لقد أحسن رأس الدولة بالتدخل في ملف يمس قوت الناس، لكن قيمة التدخل لا تُقاس بصدوره، وإنما بما يُترجَم منه على الأرض. فالقرارات تستمد قوتها من أدواتها ومن إنفاذها في كل حلقة من حلقات الاستيراد، وإلا بقيت شعاراً يصفق له الناس يوماً ثم يسألون عنه في الأسواق.

زر الذهاب إلى الأعلى