الأعمدة
أخر الأخبار

عراقي بلا وصي الحلقة الثانية: شيعي حسب الطلب

كتب رياض الفرطوسي

حين تطلب واشنطن زبوناً مناسباً فيأتيها من لا تريد

قبل الغزو بأسابيع، في مارس 2003، نشر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (مركز دراسات أمريكي مقرب من دوائر القرار) دراسة عن الشيعة ومستقبل العراق. فكرتها أن إشراك الأغلبية الشيعية في حكومة تمثيلية قد يمنح البلد استقراراً، وأن القيادة الدينية العراقية قد تتطور نحو اعتدال يختلف عن النموذج الإيراني. لا تحمل الدراسة اسم (التشيع الليبرالي)، لكن روحها هي: شيعة يقبلون الانتخابات والتعددية ولا يضعون الغرب عدواً.

ما الخطأ في هذا الحلم؟ ليس في أنه مستحيل، بل في أنه افترض أن الطريق من الانتخابات إلى الليبرالية مستقيم. الواقع أن الناخب الذي يطلب الحرية ليس بالضرورة علمانياً، والذي يرفض الاستبداد ليس بالضرورة من أنصار السوق والغرب، والذي يغضب من النفوذ الإيراني قد يغضب أكثر من الاحتلال.

ثم إن الليبرالي الذي أرادوه كان يحتاج إلى مجتمع مدني حي وطبقة وسطى وأحزاب لها جذور. لكن العراق خرج من حرب الثمانينيات والحصار وعقود القمع وقد تآكلت هذه البيئة. ويكتب علي علاوي (وزير عراقي سابق وباحث) في كتابه (احتلال العراق) أن الإدارة الأمريكية دخلت بلداً لا تعرفه، وأن قراراتها الأولى، ومنها حل الجيش واجتثاث البعث، هدمت أركان الدولة قبل أن تُبنى بدائلها.

في الفراغ يفوز من يملك شبكة. وعاد من المنفى حزب الدعوة (حزب إسلامي شيعي عريق) والمجلس الأعلى (حزب شيعي تأسس في إيران في الثمانينيات) بخبرة تنظيمية وعلاقات إقليمية ودولية وخطاب جاهز عن المظلومية واستحقاق الأغلبية، وإلى جانبهم حضور جماهيري كبير للتيار الصدري (تيار شعبي يتزعمه مقتدى الصدر)، وسلطة المرجعية الأخلاقية في النجف. وبعد أن استقر نظام القوائم الانتخابية، صار التنافس يدور حول من يحمي (حصتنا) أكثر مما يدور حول من يقدم برنامجاً أفضل.

كان الاختلاف إذن بين ما رُسم على الورق وما أنتجته الأرض. ويلاحظ فنر حداد (باحث عراقي متخصص في الطائفية) أن الهوية الطائفية كانت موجودة اجتماعيًا قبل 2003، لكن السياسة بعد السقوط حولتها إلى مادة للتنافس على السلطة. أي أن الطائفة لم تُخترع في ذلك اليوم، ولكن النظام الجديد أعطاها وظيفة جديدة.

وأكتب هذا ابناً لهذه البيئة لا غريبًا عنها. أعرف أن الإسلام السياسي الشيعي ليس كتلة واحدة ولا فصلًا واحداً. فيه من حمل قضية وسُجن وطُورد وضحّى، وفيه من تعلم السياسة على عجل في بلد منهار. ومن الإنصاف أن نحكم على التجربة بمقاييسها، لا أن نحكم على الناس بنواياهم.

ثم بدأت التجربة تفعل فعلها. فمن يحكم عقدين يُحاسَب على نتائجه، لا على شعاراته. تراجعت المشاركة في الانتخابات عن حماسة البدايات، وخرجت جموع شابة في تشرين 2019 بمطالب ليست دينية ولا طائفية: وطن وخدمات وكرامة. ذلك ما أسميه سقوط الرصيد: لم يسقط الإسلاميون من البرلمان، لكن الرواية التي حملتهم إلى الحكم فقدت بريقها الذي كان.

وهكذا انتهت أمريكا إلى مفارقة غريبة: لم تجد الشيعي الليبرالي الذي أرادته، لكنها اكتشفت أن بديله، الشيعي الإسلامي الذي ساد المشهد، يخضع لامتحان لا تستطيع واشنطن ولا غيرها أن تضع أسئلته. إنه امتحان الحياة اليومية للمواطن.

في الحلقة الأخيرة: نعود إلى سؤال فولر الأول ونجيب عنه بعد اثنتين وعشرين سنة: هل بقي العراق؟ وماذا ينتظر هذا البلد حين يخلو من كل وصي؟

عراقي بلا وصي الحلقة الثانية: شيعي حسب الطلبعراقي بلا وصي                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                               الحلقة الثانية: شيعي حسب الطلب

زر الذهاب إلى الأعلى