الأعمدة

قانون جرائم المعلومات.. لتجريم من.. ولحماية من؟

(موطئ قلم)
محمد عبد الله برقاوي..
جاء صدور قرار تشكيل المحكمة الدستورية العليا في السودان، التي أدت اليمين أمام رئيس مجلس السيادة والقائد العام، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الأسبوع الماضي، متزامناً مع ما تردد قبل يومين عن صدور قانون من الجهات العدلية سُمّي بقانون جرائم المعلومات، حملت التسريبات بشأنه أنباءً عن تضمينه عقوبة الإعدام لمن تثبت في حقه تهمة تقويض دستور البلاد.
وتكمن المفارقة هنا في أن الدستور المقصود هو ذات الوثيقة الدستورية التي صيغت عقب ثورة ديسمبر، والتي عاث فيها السيد البرهان تمزيقاً وتلفيقاً منذ انقلابه على حكومة الفترة الانتقالية، وهي الوثيقة التي أتت به إلى سدة الرئاسة بموجب صيغة الشراكة المدنية العسكرية آنذاك!
وهي مفارقة ليس لها من تفسير سوى أن الرجل، بتغوّله على بنود الوثيقة الدستورية، قد تجاوز اختصاصات المؤسسات التي يفترض أن تحكم العلاقة بين السلطات وتضبط حدود صلاحياتها. فالقول بأن تشكيل المحكمة الدستورية من اختصاص المجلس الأعلى للقضاء، وليس من صلاحيات الجهات السيادية أو التنفيذية، إنما يستند إلى ضرورة ضمان استقلاليتها وحيادها في الفصل بين المجتمع والسلطات على اختلاف مستوياتها.
غير أن المثير للقلق حقاً هو أن تصبح هذه المحكمة، منذ نشأتها، موضع شك في استقلاليتها، إذا ما بدت خاضعة لسلطة قامت بتشكيلها، بينما يأتي قانون جرائم المعلومات، بما نُسب إليه من عقوبات بالغة القسوة، ليزيد الشكوك في أن يكون هو الآخر أداة لحماية السلطة وشخوصها من أي شكل من أشكال النقد أو محاولات تقويم الاعوجاج، بدلاً من أن يكون وسيلة لحماية المجتمع من الجرائم المعلوماتية الحقيقية.
فمن حق كل من يملك قلماً أو منصة إعلامية أن يتخذ منهما وسيلة مشروعة للتعبير عن رأيه، دون شخصنة أو تجريح أو تجنٍّ، ودون أن يعني ذلك إعفاءه من المسؤولية عن إثبات ما يسوقه من اتهامات. ويبقى الفيصل في ذلك هو القانون العام المستمد من دستور يمثل العقد الحاكم للعلاقة بين السلطة والمجتمع، ويصون حقوق المواطنين وحرية السلطة الرابعة في الرقابة والمساءلة.
وليس أدل على أن السلطة الحالية، بشقيها العسكري والمدني، تسعى بصورة مكشوفة إلى تثبيت أقدامها في بلاط الحكم عبر تكميم الأفواه، من النزاع الذي تشهده المحاكم حالياً بين صحفية معروفة بولائها للجيش وقيادته، ورئيس الوزراء الذي تقدم ببلاغات جنائية ضدها، على خلفية ما يُثار بشأنها من مواقف وانتقادات.
وهنا تبرز المفارقة الأخرى؛ فرئيس الوزراء الذي يُفترض أنه يمثل مدنية الحكم، وأن يكون حارساً لحرية الرأي، يفترض به أن يتقبل النقد، حتى حين يتناول إخفاقات أدائه الشخصي، ما دام النقد ملتزماً بالقانون. والأمر ذاته ينطبق على وزير الإعلام الذي يقف في مواجهة الصحفية نفسها، بينما يُفترض أن يكون حكماً لصالح حرية الصحافة، ومدافعاً عن حقها في النقد والتوجيه باسم المجتمع، لا خصماً لها.
فهل الغاية من قانون جرائم المعلومات هي حماية المجتمع من التجاوزات التي تقع عبر الوسائط الإلكترونية، أم حماية السلطة من أقلام تكشف إخفاقاتها وتضع أداءها تحت مجهر المساءلة؟
وهل يُراد للقانون أن يكون سياجاً يحمي الدستور وحقوق المواطنين، أم سيفاً مسلطاً على رقاب من يختلفون مع السلطة أو ينتقدون أداءها؟
إن العدالة لا تستقيم بقوانين تُثير الشكوك حول غاياتها، ولا بمحاكم يُخشى على استقلالها، وإنما بمنظومة دستورية وقانونية تقف على مسافة واحدة من الجميع؛ سلطةً ومجتمعاً، حاكماً ومحكوماً، موالياً ومعارضاً.
والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى