
رشا عوض
“يعني الشعب السوداني كله كيزان؟!” عبارة مفخخة تستخدم لاخراس اي شخص يحذر من خطر الغواصات الامنية والكيزان المستترين في الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ولجان المقاومة ومجال الإعلام( المزرعة الاكبر للغواصات) وكل القوى الحية في المجتمع.
لا يجوز الاستخفاف بخطر تمدد الكيزان عبر الاختراقات الامنية في مؤسسات المجتمع الحية، ابتداء من “قعدات شراب الجبنة” النسائية في الاحياء السكنية وصولا للأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والاتحادات النقابية والاندية الرياضية ، هذا ليس معناه ان الكيزان اغلبية وان الشعب كله كيزان ، بل هذا معناه عكس ذلك تماما !
معناه ان الكيزان اقلية ، ولأنهم كذلك وأكثرية الشعب ضدهم ، هم بحاجة دائمة لفرض انفسهم عبر الاختراقات النوعية ، بحاجة لزرع الخطاب الذي يخدم مصالحهم ويعزز سيطرتهم في احزاب ومؤسسات الاخرين وتجمعات الاخرين ، ولتحقيق ذلك، يعملون بذكاء وبخبرات متراكمة وبامكانيات مالية ضخمة يتميزون بها عن سائر التيارات الاخرى ، وتنظيمهم اصلا مصمم على ذلك ، فلديهم كيان اخطبوطي اسمه ” الأمن الشعبي” الهدف منه ان تكون عيون واذان التنظيم حاضرة في كل تكوينات المجتمع .
بعد اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة التي اظهرت حجم الكيزان الطبيعي في المجتمع السوداني ، برزت حاجتهم الملحة جدا لاستنفار كل غواصاتهم المزروعة على مر السنين والعقود الماضية في كل الكيانات السياسية والاجتماعية والدينية والنقابية والرياضية ، وفي منظمات المجتمع المدني المحلي، وفي المنظمات الاقليمية والدولية، حتى تتولى الدفاع عنهم بطرق ملتوية وغير مباشرة ، وكثيرا ما تستخدم هذه الغواصات المزايدات الثورية والاسراف في الخطاب التحقيري للاحزاب كوسيلة دفاع مبطن عن الكيزان، طبعا ليس كل المنخرطين بحماس في رجم السياسيين المعارضين كيزان ، بل غالبيتهم تخدم الاجندة الكيزانية دون وعي منها ، بسبب صناعة معقدة جدا للوعي الزائف قلبت اولويات الخطاب العام رأسا على عقب.
بعد الثورة وبعد التجربة الكارثية للكيزان في الحكم ، ما عاد بالامكان تسويق خطاب ” الاسلام السياسي” والدفاع عن المصالح السياسية والاقتصادية لمنسوبيه انطلاقا من منابره الخاصة ، وعبر شخوصه المعروفين، بل نشأت بحكم الضرورة ، الحاجة لتغليف خطاب ومصالح الكيزان بأغلفة جذابة وبراقة وخادعة من مادة الثورة نفسها ولكنها مادة منزوعة الروح !!
أما بعد حرب الخامس عشر من ابريل ٢٠٢٣ زادت الحاجة لهذا النوع من التغليف.!
لا يمكن ان يغفل مراقب حصيف عن مؤامرة تزييف الوعي والغزو المنظم للعقل السوداني لتغييبه وفرض “حالة قطيعية” لا يفلت منها حتى بعض الاذكياء والطيبين! على سبيل المثال تجد شخصا متشنجا يصب جام غضبه من دمار الحرب على السياسيين المدنيين! وأثناء سقوط الدانات على منازل المواطنين وتقطيعهم اشلاء واثناء اختراق الرصاص الطائش لاجساد الابرياء لا يجد ما يلعنه في هذه المناسبة سوى انقسامات الاحزاب السياسية!!! ويسرف في الحديث عن عدم مسؤولية السياسيين!! وينسى تماما ان تكسير منزله بالدانة وتقطيع اجساد اطفاله بالرصاص والشظايا هو نتاج مباشر لعدم مسؤولية العسكر الذين يتقاتلون وسط النساء والاطفال بالاسلحة الثقيلة! كارثته هي نتاج لانقسام المؤسسة العسكرية وصراعها على السلطة مع اجنحتها المليشياوية الخارجة من رحمها ! وليست نتاج انقسامات الاحزاب التي لم تكن حاكمة اصلا وقت اندلاع الحرب ! وينسى كذلك ان من يقف وراء الانقسام العسكري العسكري على السلطة الذي اسقط الدانات فوق منازل المواطنين ليس كل الاحزاب السياسية بل هو حزب واحد مسلح بكتائبه الخاصة ويمتلك الكلمة العليا على الجيش الذي افسده واضعفه بالاختراق وصنع المليشيات الموازية! ذلك الحزب لا ينال حظه من اللعن المستحق بل يتم غسيله عبر احالة المسؤولية الى اخرين!
ليس كل من يكسرون عنق المنطق البسيط بهذه الطريقة كيزان بالاصالة ،ولكن حالة ” غيبوبة الوعي” التي يعانون منها حتما هي نتاج ” مؤامرة كيزانية” اشتغلت بمثابرة وبطريقة ” الطرق المستمر” لتضليل عامة السودانيين وصرف انظارهم عن المجرم الحقيقي المتسبب في كارثتهم بل تحويلهم الى “قوات مساندة” بالمجان لذلك المجرم في محاربة خصومه السياسيين!!
الاقليات الطموحة على مستوى الدول و عبر العالم، ولا سيما التنظيمات العقائدية والفاشية، تهتم باتقان فنون الاختراق كوسيلة سيطرة على المجتمعات ، وتدمير وتخريب مراكز المقاومة فيها، فلا يمكن الاستنتاج من ” كثافة الاختراق الكيزاني لمؤسسات الشعب السوداني” ان الشعب كله كيزان! هذه العبارة نفسها تجسد حلم الكيزان المشتهى الذي عجزوا عن تحقيقه بوسائل نظيفة ، فاعتمدوا على الاختراق!
عندما يتصدى شخص لكشف هذا الاختراق والتحذير من شره يتم اخراسه والتشكيك في سلامة عقله وقدرته على النقاش الموضوعي عبر وضع عبارة ” الشعب كله كيزان” على لسانه! وهي عبارة هو لم يقلها أصلا بل قال عكسها ! قال ان الشعب اكثريته او اغلبيته ضد الكيزان ، ولكنهم سرقوا لسانه عبر الاختراق! والمطلوب هو استعادة المسروقات! عبر الوعي بهوية السارق ومهاراته في الخداع والتخفي!
ان اهم مهارة سياسية تحتاجها الاحزاب والتحالفات وكل القوى الفاعلة في المجال العام في السودان هي كشف ومكافحة الغواصات الامنية الكيزانية ، بدون ذلك سيستمر الشلل السياسي، وتتمادى معاول الهدم والتكسير في تحطيم اي بديل ديمقراطي واعد، وإفشال اي تحالف ، وتتسيد المشهد خطابات الحرب والكراهية.
صحيح الافراط والهوس معيب جدا في اي امر ، ولكن بذات الدرجة التفريط معيب والغفلة كارثة!
الحقيقة مهما كانت مرة ومؤلمة ، لا بد من مواجهتها ، فالإنكار لن يغير الواقع !
يجب ان يدرك السودانيون ان احد الاسباب المهمة جدا في إفساد شأنهم العام وإضعاف دولتهم هي ان جهاز الأمن تم توظيفه بالكامل لحراسة حزب اقلية كيزانية اختزلت الوطن في التنظيم واختزلت الشعب في الجماعة ، ولم ينعم السودان باجهزة امن واستخبارات عسكرية تسهر على رصد المهددات الحقيقية لامن الوطن والمواطنين وتتبع الاعداء في الخارج ، بل ظل محور العمل الامني والاستخباراتي في السودان هو تخريب الاحزاب السياسية وزراعة الفتن العرقية والقبلية والجهوية ، واستخدام سياسة ” فرق تسد” ضد عامة الشعب السوداني لصالح اقلية حاكمة! واكثر العهود فجورا في هذا المسلك هو عهد الكيزان.
مؤكد الاختراقات الكيزانية لا تعفي القوى السياسية من المسؤولية والمساءلة عن فشلها في تحصين نفسها ،وحماية الوطن ككل من هذه الاقلية المدمرة ، وقوانا السياسية لديها عيوبها واختلالاتها الذاتية التي تستوجب يقظة وارادة حقيقية للاصلاح.
انه امر محزن جدا ومخيب للآمال في بلد مثقل بالازمات ان تتحمل الكيانات السياسية عبء حراسة نفسها من الاختراقات التخريبية من اجهزة امنية واستخباراتية يتم تمويلها من مال دافع الضرائب السوداني ومن ذهب وبترول الشتب السوداني، هذه الاجهزة بدلا من ان تجتهد في حماية امن الدولة ومصالحها تنزل الى حلبة التنافس السياسي غير النزيه لصالح اقليات فاسدة فتمارس التخريب وزراعة الفتن شأنها شأن اي مستعمر اجنبي يتعامل مع الوطن بمنطق ” جلدا ما جلدك جر فيهو الشوك” !!
الى ان تتم اعادة بناء دولتنا كدولة وطنية ، واعادة بناء المنظومة الامنية والعسكرية على اسس قومية ومهنية تخرجها من السياسة والاقتصاد ، يظل التعامل الجدي مع معضلة الاختراق اهم فريضة سياسية. لا بد من خطة نظرية وآليات عملية لأداء هذه الفريضة، وعدم تصدير اي اوهام حول ان الكيزان انقرضوا وانحسر تأثيرهم ، لانهم حاضرين في المشهد بكامل قدراتهم على الايذاء والتخريب ، مواجهتهم واجبة، والانتصار عليهم ممكن بشرط رؤية الواقع كما هو ، وعدم مساعدة اللص ” بتغبية الاتر “



