تعديل المادة 51 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991.. قراءة في النص، ومبدأ الشرعية الجنائية، والسند الدستوري

✍️ محمدالفاتح حضرة
أثار تعديل المادة 51 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، بموجب المرسوم المؤقت رقم (7) لسنة 2026، نقاشًا واسعًا حول حدود التجريم، ومدى وضوح النص الجنائي، والجهة التي تملك سلطة إصداره، ومدى توافقه مع الوثيقة الدستورية ومبدأ الشرعية الجنائية.
وتكمن أهمية هذا التعديل في أنه يتصل بجريمة خطيرة هي إثارة الحرب ضد الدولة، وبما أضيف إلى أوجه التأييد التي يتناولها النص من النشر عبر الوسائط الإلكترونية أو الإعلامية.
ومن هنا، فإن مناقشة التعديل لا ينبغي أن تقتصر على الغرض المعلن منه، وإنما يجب أن تتناول نصه القانوني، وحدود تطبيقه، والسند الدستوري الذي يستند إليه، والآثار التي قد تترتب على استخدامه في مواجهة المواطنين والناشطين السياسيين والإعلاميين.
### أولًا: ماذا كان ينص عليه نص المادة 51 قبل التعديل؟!
نصت المادة 51 من القانون الجنائي لسنة 1991، قبل التعديل، على الآتي:
«51ـ يعد مرتكباً جريمة إثارة الحرب ضد الدولة ويعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن لمدة أقل مع جواز مصادرة جميع أمواله من:
(أ) يثير الحرب ضد الدولة عسكرياً بجمع الأفراد أو تدريبهم أو جمع السلاح أو العتاد أو يشرع في ذلك أو يحرض الجاني على ذلك أو يؤيده بأي وجه، أو
(ب) يعمل بالخدمة العسكرية أو المدنية لأي دولة في حالة حرب مع السودان أو يباشر معها أو مع وكلائها أي أعمال تجارية أو معاملات أخرى، أو
(ج) يقوم في داخل السودان، دون إذن من الدولة، بجمع الجند وتجهيزهم لغزو دولة أجنبية أو يقوم بعمل عدائي ضد دولة أجنبية يكون من شأنه أن يعرض البلاد لخطر الحرب، أو
(د) يخرب أو يتلف أو يعطل أي أسلحة أو مؤن أو مهمات أو سفن أو طائرات أو وسائل نقل أو اتصال أو مبانٍ عامة أو أدوات للمرافق العامة كالكهرباء أو الماء أو غيرها بقصد الإضرار بمركز البلاد الحربي».
يتضح من النص أن المادة لا تتناول فعلًا واحدًا، بل تشمل صورًا متعددة، منها إثارة الحرب ضد الدولة بوسائل عسكرية، والتحريض عليها أو تأييدها، وبعض صور التعامل مع دولة في حالة حرب مع السودان، والأعمال العدائية التي تعرض البلاد لخطر الحرب، فضلًا عن تخريب المنشآت والمعدات والمرافق العامة بقصد الإضرار بمركز البلاد الحربي.
وقد جاء التعديل محل النقاش بإضافة النشر عبر الوسائط الإلكترونية أو الإعلامية إلى أوجه التأييد الواردة في الفقرة (أ).
وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل تؤدي إضافة وسيلة النشر إلى توسيع نطاق التجريم بحيث يصبح التعبير السياسي أو الإعلامي، في ذاته، مدخلًا للمساءلة الجنائية عن جريمة إثارة الحرب ضد الدولة؟!
هذا السؤال لا تجيب عنه الغاية المعلنة من التعديل وحدها، بل يتطلب قراءة النص المعدل في سياق المادة كاملة، وتحديد عناصر الجريمة التي يجب إثباتها، والتمييز بين التأييد الذي تتوافر فيه أركان الجريمة وبين التعبير الذي لا يجاوز حدود الرأي السياسي أو الإعلامي.
### ثانيًا: مبدأ الشرعية الجنائية وحدود حرية التعبير
من المبادئ الأساسية في القانون الجنائي أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وأن النص الذي يرتب عقوبة جنائية يجب أن يكون واضحًا بما يكفي لتحديد الفعل المجرّم، وتمكين الأفراد من معرفة حدود المسؤولية الجنائية المترتبة عليه.
والتعديل الذي يضيف النشر الإلكتروني أو الإعلامي إلى أوجه التأييد يثير مسألة تتعلق بحدود هذا التأييد: هل المقصود هو كل منشور يتضمن رأيًا سياسيًا أو موقفًا من الحرب، أم المنشور الذي تتوافر فيه، بحسب ظروفه ومضمونه وصلته بالفعل المجرّم، عناصر التأييد الذي تعاقب عليه المادة؟!
إن مجرد انتقاد قيادة الجيش، أو الاعتراض على قرارات السلطة القائمة، أو الدعوة إلى وقف الحرب، أو تأييد مبادرة سياسية، لا يكفي وحده لإثبات ارتكاب جريمة إثارة الحرب ضد الدولة.
كما أن الموقف السياسي من أحد أطراف الحرب لا يغني عن إثبات الفعل المنسوب إلى المتهم، وتوافر العناصر القانونية للجريمة في حقه.
فالمسؤولية الجنائية مسؤولية شخصية، ولا يجوز أن تقوم على الانتماء السياسي أو التوجه الفكري أو مجرد الاختلاف مع السلطة، وإنما يجب أن تستند إلى نص قانوني محدد وأدلة تتعلق بالفعل المنسوب إلى كل متهم.
ومن ثم، فإن تطبيق المادة 51 يستوجب التمييز بين التعبير عن الرأي، والتأييد الذي يندرج ضمن السلوك المجرّم وفقًا للنص، والمشاركة الجنائية التي تتوافر فيها عناصر المسؤولية المقررة قانونًا.
### ثالثًا: دلالة عبارة «يحرض الجاني على ذلك أو يؤيده بأي وجه»
تضمنت الفقرة (أ) من المادة 51، قبل التعديل، عبارة «يحرض الجاني على ذلك أو يؤيده بأي وجه».
وتستحق هذه العبارة وقفة قانونية، لأن فهمها يؤثر مباشرة في تحديد نطاق المسؤولية الجنائية.
فمن هو «الجاني» المقصود في النص؟ وهل يشترط لتجريم التحريض أو التأييد صدور حكم قضائي سابق بإدانة الشخص الذي وُصف بأنه الجاني؟ أم يجوز، وفقًا للقواعد الإجرائية والموضوعية واجبة التطبيق، التحقيق مع الأشخاص المنسوب إليهم الفعل الأصلي والتحريض أو التأييد في الوقت نفسه، مع إثبات عناصر المسؤولية الخاصة بكل منهم؟
هذه مسائل ينبغي تناولها في ضوء النص الكامل للقانون والقواعد العامة للمساهمة الجنائية، ولا يصح حسمها بمجرد افتراض أن الإدانة السابقة شرط لازم، أو أن وصف الشخص بأنه «الجاني» يغني عن إثبات الجريمة الأصلية وعناصر المسؤولية المرتبطة بها.
والأهم من ذلك أن إضافة النشر الإلكتروني أو الإعلامي لا تعفي جهة الاتهام من عبء إثبات العناصر القانونية للجريمة، ولا تجعل كل منشور مؤيد لطرف في الحرب جريمة مكتملة الأركان بمجرد نشره.
فالنص الجنائي لا يُقرأ بمعزل عن بقية أحكام القانون، ولا يجوز التوسع في تفسيره بما يؤدي إلى إنشاء جرائم لم ينص عليها المشرع أو إلى إهدار الضمانات المقررة للمتهمين.
### رابعًا: السند الدستوري للتشريع بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021
لا يمكن مناقشة مشروعية إصدار المرسوم المؤقت رقم (7) لسنة 2026 بمعزل عن السؤال الدستوري الأسبق: ما السلطة التي تملك إصدار التشريعات، وما السند الذي تستمد منه هذه السلطة مشروعيتها؟!
نصت الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019، في المادة (25)، على اختصاصات السلطة التشريعية الانتقالية، كما تضمنت الفقرة (3) حكمًا بشأن ممارسة سلطات المجلس التشريعي، إلى حين تشكيله، بواسطة مجلس السيادة ومجلس الوزراء مجتمعين، وفق الضوابط الواردة في النص.
ونصت المادة (78) من الوثيقة على أن تعديل الوثيقة الدستورية أو إلغاءها يكون بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي.
وفي 25 أكتوبر 2021، أعلن الفريق أول عبد الفتاح البرهان حل مجلسي السيادة والوزراء، واتخذت السلطة العسكرية إجراءات أنهت الإطار الانتقالي الذي قامت عليه الوثيقة الدستورية.
وفي تقديري، فإن هذه الواقعة تمثل نقطة جوهرية في تقييم الشرعية الدستورية للسلطات التي نشأت بعد الانقلاب، وما صدر عنها من قرارات وتشريعات.
فإذا كان الانقلاب قد أطاح بالإطار الدستوري الذي يستمد منه القائمون على السلطة اختصاصاتهم، فإن السؤال عن مشروعية التشريعات اللاحقة لا يُحسم بمجرد صدورها أو نشرها في الجريدة الرسمية، بل يقتضي بحث مصدر الاختصاص، وحدوده، ومدى استناده إلى أساس دستوري مشروع.
وهنا أؤكد أن موقفي يقوم على أن انقلاب 25 أكتوبر 2021 قوّض النظام الدستوري الانتقالي، وأن السلطة التي نشأت في أعقابه لا تكتسب، في تقديري، شرعية دستورية لمجرد فرض الأمر الواقع أو استمرار السيطرة على مؤسسات الدولة.
وهذا الموقف يقتضي إخضاع التشريعات الصادرة عن تلك السلطة للفحص الدستوري، بدلًا من التسليم بمشروعيتها لمجرد صدورها عن جهة تتولى ممارسة السلطة فعليًا.
### خامسًا: هل يمنح تعديل الوثيقة الدستورية لسنة 2025 سلطة إصدار المراسيم المؤقتة؟!
أُدخلت تعديلات على الوثيقة الدستورية في عام 2025، تضمنت إضافة الفقرة (4) إلى المادة (23)، وجاء فيها:
«يجوز لمجلس السيادة ولأمر عاجل إصدار مرسوم مؤقت تكون له قوة القانون النافذ، ومع ذلك يجب عرض المرسوم المؤقت على السلطة التشريعية الانتقالية فور انعقادها، فإذا أجازته بذات أحكامه يصبح قانونًا نافذًا، وإذا لم تجزه يُلغى دون أي أثر رجعي».
يثير هذا النص مسألتين أساسيتين.
المسألة الأولى: مدى مشروعية التعديل الدستوري ذاته.
فالتعديل الذي يضيف اختصاصًا تشريعيًا إلى مجلس السيادة لا يعفي من بحث مشروعية الجهة التي أصدرته، ومدى امتلاكها سلطة تعديل الوثيقة الدستورية، ومدى استيفاء الإجراءات والأغلبيات التي تتطلبها الوثيقة.
وبناءً على موقفي من انقلاب 25 أكتوبر 2021، فإنني لا أرى أن التعديلات اللاحقة تكتسب شرعية دستورية تلقائيًا، ولا سيما إذا كان مصدر السلطة التي أصدرتها محل اعتراض دستوري جوهري.
المسألة الثانية: حدود الاختصاص الذي تقرره الفقرة الجديدة.
فالنص يتحدث عن سلطة مجلس السيادة في إصدار مرسوم مؤقت لأمر عاجل، ويشترط عرضه على السلطة التشريعية الانتقالية فور انعقادها.
ومن ثم، فإن تطبيقه يقتضي التحقق من توافر حالة الاستعجال، ومن الجهة التي اتخذت قرار إصدار المرسوم، ومن الإجراءات التي اتُبعت في إصداره، ومن مدى استيفاء الشروط الدستورية المقررة لذلك.
كما أن توقيع رئيس مجلس السيادة على المرسوم لا يكفي وحده، في غياب بقية المستندات، للجزم بأن قرارًا مؤسسيًا لم يصدر عن المجلس؛ فهذه مسألة تتطلب الاطلاع على محضر القرار أو المستندات الرسمية ذات الصلة.
وعليه، فإن الاعتراض على المرسوم رقم (7) لسنة 2026 لا ينبغي أن يقتصر على مضمون تعديل المادة 51، بل يجب أن يمتد إلى بحث السند الدستوري الذي استند إليه إصداره، ومدى توافر شروط الاختصاص والإجراءات التي يفرضها النص الذي تستند إليه السلطة المصدرة.
### سادسًا: الغرض المعلن من التعديل وحدود تطبيقه
أعلنت وزارة العدل أن الغرض من تعديل المادة 51 هو مكافحة جريمة إثارة الحرب ضد الدولة ومؤيديها الذين يعلنون تأييدهم عبر النشر في الوسائط الإلكترونية أو الإعلامية.
وهذا التصريح يوضح الغرض الذي تعلنه الجهة الرسمية من التعديل، لكنه لا يُعد بديلًا عن النص القانوني، ولا يحسم وحده حدود التجريم أو شروط المسؤولية الجنائية.
فالتطبيق الصحيح للقانون يتطلب الرجوع إلى النص المنشور، وتحديد الأفعال التي يشملها، وإثبات عناصر الجريمة في كل واقعة على حدة.
وتبرز أهمية هذه الضوابط في ظل الحرب التي يعيشها السودان، وما صاحبها من استقطاب سياسي وإعلامي حاد، واتهامات متبادلة بين أطراف الصراع، ومخاوف من توظيف النصوص الجنائية في مواجهة المعارضين أو المنتقدين للسلطة.
فهل يكفي أن ينتقد مواطن قيادة الجيش أو أداء الحكومة حتى يصبح مؤيدًا للحرب ضد الدولة؟ وهل يكفي أن يدعو إلى وقف الحرب أو إلى التفاوض حتى يُعامل بوصفه مرتكبًا لجريمة إثارة الحرب؟!
إن الإجابة القانونية لا تُستمد من هوية المتحدث أو موقفه السياسي، بل من طبيعة الفعل المنسوب إليه، ومضمونه، وعلاقته بالفعل المجرّم، وتوافر العناصر القانونية اللازمة للمساءلة.
كما أن ما يُتداول بشأن اتهام شخصيات مدنية وسياسية معارضة للسلطة يوجب التحقق من طبيعة الاتهامات والإجراءات المتخذة بشأنها، وعدم الخلط بين الاتهام والإدانة.
ولا يجوز أن يتحول التعديل إلى وسيلة لتجريم المعارضة السياسية أو إسكات الأصوات المطالبة بوقف الحرب، كما لا يجوز اتخاذ حرية التعبير غطاءً لإعفاء أي شخص من المسؤولية إذا ثبتت في حقه أفعال تستوفي أركان جريمة منصوص عليها في القانون.
### سابعًا: التعديل وحرية التعبير والالتزامات الحقوقية
تضمن الإطار الدستوري الانتقالي لسنة 2019 أحكامًا تتعلق بالحقوق والحريات، ومنها حرية التعبير والصحافة، كما تناولت المادة (42) مسألة الحقوق والحريات والمواثيق الدولية والإقليمية التي صادق عليها السودان.
ويقرر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في المادة (19)، حماية حرية الرأي والتعبير، كما تتناول المادة (9) من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب حق الإنسان في تلقي المعلومات والتعبير عن آرائه.
ولا تعني هذه الحماية أن حرية التعبير مطلقة في جميع الأحوال؛ إذ يجوز فرض قيود عليها وفق الشروط القانونية المقررة، شريطة أن يكون القيد محددًا في القانون، وأن يستند إلى غرض مشروع، وأن يراعي مقتضيات الضرورة والتناسب.
ومن هنا، فإن التحدي القانوني في تعديل المادة 51 يتمثل في ضمان عدم الخلط بين التعبير السياسي والإعلامي، من جهة، والأفعال التي تستوفي عناصر جريمة إثارة الحرب ضد الدولة، من جهة أخرى.
وكلما اتسعت عبارات التجريم، ازدادت أهمية التفسير المنضبط الذي يمنع استخدامها على نحو يخل بمبدأ الشرعية الجنائية أو يقيد حرية التعبير خارج الحدود التي يجيزها القانون.
والأصل أن تُطبّق النصوص الجنائية على الوقائع التي تستوفي عناصرها، لا على الأشخاص بسبب آرائهم أو انتماءاتهم أو مواقفهم من أطراف النزاع.
### ثامنًا: المساءلة عن تقويض النظام الدستوري وإشعال الحرب.. من القادة العسكريين إلى المسؤولين السياسيين والعدليين والدستوريين
إن مناقشة المادة 51 لا ينبغي أن تصرف الأنظار عن المادة 50 من القانون الجنائي لسنة 1991، التي تتعلق بجريمة تقويض النظام الدستوري.
وقد نصت المادة 50 على الآتي:
«من يرتكب أي فعل بقصد تقويض النظام الدستوري للبلاد أو بقصد تعريض استقلالها أو وحدتها للخطر، يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن لمدة أقل مع جواز مصادرة جميع أمواله».
وفي تقديري، فإن تطبيق القانون على الوقائع التي شهدها السودان منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، يستوجب فتح ملفات المساءلة والتحقيق في الأفعال المنسوبة إلى كل من يُشتبه في مشاركته الجنائية فيها، دون استثناء بسبب المنصب أو الرتبة أو الانتماء السياسي أو العسكري.
### 1\ مسؤولية العسكريين عن تقويض النظام الدستوري
لا تقتصر مسؤولية قادة القوات المسلحة السودانية على الدفاع عن المدنيين وعن أرض الوطن، بل قد وردت الإشارة صراحة في قانون القوات المسلحة السودانية لسنة 2007 الي واجبهم بخصوص حماية النظام الدستوري والحكم المدني الديمقراطي ‼️.
فقد نصت المادة 6(أ) على أن من مهام القوات المسلحة «حماية سيادة البلاد والدفاع عن النظام الدستوري والذود عنه»، ونصت المادة 6(ج) على أن من مهامها «تأمين احترام سيادة حكم القانون والحكم المدني الديمقراطي وحقوق الإنسان».
كما أوجبت المادة 7(1)(د) على أفراد القوات المسلحة، بجميع رتبهم، احترام الدستور أثناء ممارسة اختصاصات وظائفهم.
وهذه النصوص تقرر بوضوح أن حماية النظام الدستوري والحكم المدني الديمقراطي ليست مهمة اختيارية للقوات المسلحة،بل هي أمر واجب التنفيذ والإحترام ..
ولعل الأكثر مباشرة في بيان هذا الشأن هو نص المادة 162 من قانون القوات المسلحة لسنة 2007، بعنوان «التمرد على النظام الدستوري».
🫵فقد نصت المادة 162(1) على تجريم كل من يقوم أو يتفق أو يخطط مع آخرين للمساس بالنظام الدستوري أو الأمني أو وحدة البلاد باستخدام القوة المسلحة، أو يثير الحرب ضدها، أو يقوم بالإعداد المادي أو المعنوي لذلك، أو يرتكب أفعالًا أو يجري اتصالات أو تجهيزات من شأنها أن تتسبب في ذلك.
🫵كما أضافت المادة 162(2)(أ) صورة أخرى للمسؤولية، تتعلق بمن يكون حاضرًا عند ارتكاب أفعال التمرد على النظام الدستوري، عالمًا بها، ولا يبذل أقصى جهده لقمعها أو منع وقوعها. كما تناولت الفقرة (ج) حالة من يعلم، أو لديه سبب يدعوه للاعتقاد، بوجود تمرد أو نية للقيام به أو اتفاق عليه، ثم لا يبلغ الجهة المختصة أو يتأخر في التبليغ.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز تجاهله:
إذا كان قانون القوات المسلحة نفسه يجرّم التمرد على النظام الدستوري، ويجرّم صورًا من الاتفاق والتخطيط والإعداد له، بل ويتناول الامتناع عن بذل أقصى الجهد لقمعه أو منعه في الحالة المحددة بالنص، فكيف يمكن إعفاء قادة عسكريين من المساءلة لمجرد أنهم يتولون قيادة الجيش، إذا ثبت أنهم بالفعل قد استخدموا القوة المسلحة لتقويض النظام الدستوري بدلًا من حمايته؟!
إن انقلاب 25 أكتوبر 2021 يستوجب التحقيق في مسؤولية القادة والضباط العسكريين والجنود الذين خططوا له أو نفذوه أو شاركوا فيه أو أسهموا فيه، وفقًا للأفعال والأدلة والاختصاص القضائي المقرر قانونًا.
كما يجب التحقيق في دور كل من كان يعلم بوقوع التمرد أو الاستعداد له، وتوافرت في حقه الشروط التي نصت عليها المادة 162، دون افتراض المسؤولية لمجرد الرتبة العسكرية أو المنصب القيادي.
### 2\. مسؤولية قادة الانقلاب عن الحرب وتدمير مقدرات الدولة
إذا كان تقويض النظام الدستوري جريمة يعاقب عليها القانون، فإن المساءلة يجب أن تشمل كل من تثبت مسؤوليته عن التخطيط للانقلاب أو التحريض عليه أو المشاركة فيه أو المساهمة الجنائية فيه.
ويشمل ذلك التحقيق في دور كل من حرّض قادة الجيش وقادة قوات الدعم السريع على الانقلاب العسكري على الحكومة الانتقالية في 25 أكتوبر 2021، ومن شاركوا في اعتصام القصر الجمهوري إذا ثبت أن أفعالًا محددة صدرت عنهم وشكلت تحريضًا على الانقلاب أو مساهمة جنائية في تقويض النظام الدستوري مثل تلك الهتافات التي كانت تصدر قائلة: لن نرجع إلا البيان يطلع ‼️.
🫵كذلك يجب أن تشمل المساءلة كل قادة الجيش وقادة قوات الدعم السريع الذين تثبت مسؤوليتهم عن إشعال الحرب في 15 أبريل 2023، وكل من تثبت مشاركته في السعي الي إندلاعها أو في التسبب في كل او بعض تلك الجرائم التي ارتُكبت خلالها.
وتشمل هذه الجرائم، بحسب الوقائع والأدلة، تدمير المرافق العامة للدولة، وإتلاف الطائرات والآليات والمركبات المملوكة لها، وتخريب وقصف وتدمير الجسور والكباري والمطارات ومحطات الكهرباء والمياه، فضلًا عن الاعتداء على الممتلكات الخاصة وقتل الأبرياء، وما ألحقته الحرب من أضرار بشرية واقتصادية واجتماعية هائلة بالشعب السوداني، واستنزاف أموال الدولة ومواردها في حرب دمرت البلاد وأهدرت مقدراتها.
### 3\. مسؤولية وكلاء النيابة والقضاة والمحاكم والمحكمة الدستورية
ولا أرى أن المسؤولية المحتملة تقف عند السياسيين والقادة العسكريين والمقاتلين؛ بل يجب أن تمتد إلى المسؤولين في أجهزة العدالة الذين تثبت مشاركتهم الجنائية في تقويض النظام الدستوري أو تمكين مرتكبيه من الإفلات من المساءلة أو التأييد أو شرعنته وحمايته .
إن كل وكيل نيابة عامة، وكل قاضٍ، وكل دائرة قضائية في محاكم الاستئناف أو المحكمة العليا، وكل عضو في المحكمة الدستورية، يجب أن يكون محل تحقيق إذا توافرت أدلة جدية على أنه شارك عمدًا في تقويض النظام الدستوري، أو حرّض عليه، أو أيّده على نحو يشكل مساهمة جنائية، أو تعمّد إستخدام سلطته القضائية لشرعنة الانقلاب وتمكين مرتكبيه من الإفلات من العقاب .
فواجب النيابة العامة والقضاء ليس منح الإنقلاب غطاءً قانونيًا او دستورياً، بل واجبهم هو حماية سيادة القانون والحقوق الدستورية، والتحقق من مشروعية الإجراءات والقرارات التي تُعرض عليهما، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته عن الجرائم وفقًا للقانون.
وفي هذا السياق، فإن القرارات والأحكام التي صدرت عن بعض القضاة والدوائر القضائية في محاكم الاستئناف والمحكمة العليا، وأدانت مواطنين طالبوا بإنهاء الانقلاب العسكري أو دعوا إلى وقف الحرب، تستوجب فحصًا قانونيًا جادًا، ولا سيما عندما يُعامل الاشخاص المطالبون بإنهاء الانقلاب أو وقف الحرب بوصفهم مقوضين للنظام الدستوري، بينما يُقدَّم قادة الانقلاب أنفسهم باعتبارهم ممثلي ذلك النظام والجهة المخولة بحمايته ‼️.
🫵وهنا يبرز سؤال جوهري:
كيف يصبح من يطالب بإنهاء الانقلاب مقوضًا للنظام الدستوري، بينما يُعامل من أطاح بالمؤسسات الدستورية بالقوة وكأنه هو النظام الدستوري الذي يتعين على القضاء حمايته؟!
وكيف يُدان مواطن بسبب موقف سياسي أو دعوة إلى وقف الحرب، بينما لا تُفتح ملفات المساءلة بالجدية نفسها للتحقيق في مسؤولية من نفذوا الانقلاب العسكري أو شاركوا في تقويض الوثيقة الدستورية؟!
إنني أرى ضرورة التحقيق في الأحكام والقرارات التي صدرت في هذا السياق، وتحديد الأساس القانوني الذي استندت إليه، ومدى احترامها للحقوق والحريات ومبدأ الشرعية الجنائية، وما إذا كانت قد انطوت على تعمد إساءة استخدام السلطة القضائية للمشاركة في تقويض النظام الدستوري أو شرعنته.
وإذا أثبت التحقيق أن وكيل نيابة أو قاضيًا أو عضوًا في دائرة قضائية أو في المحكمة الدستورية قد تعمد المشاركة في جريمة تقويض النظام الدستوري، أو التحريض عليها، أو تأييدها على نحو يحقق عناصر المسؤولية الجنائية، فيجب تقديمه للمحاكمة وفقًا للقانون.
ويشمل ذلك بحث مدى انطباق المادة 50 أو المادة 51 من القانون الجنائي لسنة 1991، أو كلتيهما معًا، متى توافرت عناصر الجريمة وشروط المساهمة الجنائية المنصوص عليها في القانون. فالمادة 50 تتصل بتقويض النظام الدستوري، بينما تتصل المادة 51 بإثارة الحرب ضد الدولة، ويجب تحديد أساس الاتهام في كل حالة وفقًا للفعل المنسوب إلى الشخص والأدلة المتوافرة.
ولا يعني ذلك أن كل حكم قضائي خاطئ أو محل خلاف سياسي يشكل جريمة، ولا أن كل قاضٍ أصدر حكمًا بالإدانة يصبح شريكًا في الانقلاب. وإنما المقصود هو التحقيق في الحالات التي تتوافر فيها أدلة على أن القرار أو الحكم كان جزءًا من فعل جنائي متعمد يهدف إلى تقويض النظام الدستوري أو تمكين مرتكبيه، أو أنه شكّل تحريضًا أو تأييدًا مجرّمًا وفقًا للقانون.
كما أن استقلال القضاء لا يعني إعفاء القضاة من المساءلة عن الجرائم التي تثبت في حقهم؛ فاستقلال القضاء ضمانة للعدالة، وليس حصانة مطلقة من المسؤولية الجنائية.
ولا يجوز أن تتحول المحكمة الدستورية نفسها، أو أي محكمة أخرى، إلى غطاء مؤسسي لإضفاء الشرعية على الانقلاب. وإذا توافرت أدلة على تورط أعضاء أو مسؤولين فيها في أفعال مجرّمة، فيجب التحقيق معهم ومساءلتهم أفرادًا، وفقًا للقانون والاختصاص القضائي والضمانات الواجبة.
### 4\. لا حصانة سياسية أو عسكرية أو قضائية من المساءلة
إن المساءلة التي أدعو إليها تشمل كل من تثبت مسؤوليته عن تقويض النظام الدستوري وإشعال الحرب، أيا كان موقعه أو انتماؤه.
ويجب أن تمتد إلى قادة الجيش وقادة قوات الدعم السريع، والسياسيين الذين شاركوا في الانقلاب أو حرّضوا عليه، والعسكريين الذين أسهموا في تقويض النظام الدستوري، وكل من تثبت مشاركته الجنائية في الجرائم المرتكبة خلال الحرب.
كما يجب أن تشمل المسؤولين العدليين والقضائيين والدستوريين الذين تثبت مشاركتهم الجنائية في تلك الأفعال، سواء من خلال التحريض أو التأييد المجرّم أو المساهمة المتعمدة في تمكين مرتكبي الجرائم أو شرعنة أفعالهم.
وبناءً على ذلك، أرى ضرورة التحقيق في مدى انطباق المادتين 50 و51 من القانون الجنائي لسنة 1991 على الأفعال المنسوبة إلى كل شخص، بحسب دوره والأدلة المتوافرة في مواجهته، إلى جانب تطبيق قانون القوات المسلحة السودانية، ولا سيما المواد 6 و7 و162، وسائر القوانين ذات الصلة، متى انطبقت أحكامها على القادة والضباط والجنود الذين خالفوا واجباتهم القانونية أو شاركوا في أفعال مجرّمة.
فالانقلاب على النظام الدستوري، وإشعال الحرب، وتدمير مقدرات الدولة، ليست أفعالًا ينبغي أن تُطوى ملفاتها بفعل مرور الزمن السياسي أو تغيّر موازين القوة؛ بل يجب أن تكون محل تحقيق ومساءلة أمام القضاء المختص، وفقًا للقانون وضمانات المحاكمة العادلة.
إن العدالة لا تتجزأ، والمسؤولية الجنائية لا تتحدد بموقع الشخص في ميزان القوة السياسية أو العسكرية أو القضائية، وإنما بما يثبت في حقه من أفعال وأدلة وفقًا للقانون.
### الخاتمة: الشرعية الدستورية وتطبيق القانون على الجميع
إن تعديل المادة 51 من القانون الجنائي لسنة 1991 يطرح ثلاث مسائل مترابطة: مدى وضوح النص الجنائي وحدود تطبيقه، ومدى مشروعية السند الدستوري الذي صدر بموجبه، وضمان عدم استخدامه على نحو ينتقص من الحقوق والحريات أو يخل بمبدأ المساواة أمام القانون.
وفي تقديري، لا يمكن تجاوز السؤال المتعلق بالشرعية الدستورية للسلطة التي نشأت بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، ولا يكفي الاستناد إلى التعديلات اللاحقة على الوثيقة الدستورية لحسم هذا السؤال، ما دامت مشروعية تلك التعديلات ذاتها محل اعتراض دستوري.
كما أن معالجة آثار الحرب لا تتحقق بتوسيع نطاق التجريم في مواجهة المواطنين وحدهم، وإنما تتطلب مساءلة جميع من تثبت مسؤوليتهم عن تقويض النظام الدستوري وإشعال الحرب وتدمير مقدرات الدولة، وفقًا للقوانين واجبة التطبيق وضمانات المحاكمة العادلة.
ولهذا، فإنني أرى ضرورة إخضاع المرسوم المؤقت رقم (7) لسنة 2026 للفحص الدستوري والقانوني، والتحقق من سلامة إجراءات إصداره، ومدى وضوح النص المعدل، وحدود تطبيقه على أفعال النشر والتعبير، مع ضمان ألا يتحول إلى أداة لتجريم المعارضة السياسية أو تقييد حرية التعبير خارج الحدود التي يجيزها القانون.
وفي الوقت ذاته، فإن المادتين 50 و51 من القانون الجنائي، والمواد 6 و7 و162 من قانون القوات المسلحة لسنة 2007، وسائر النصوص ذات الصلة، يجب أن تكون أساسًا للتحقيق والمساءلة عن الأفعال التي أدت إلى تقويض النظام الدستوري وإشعال الحرب وتدمير الدولة، أيا كانت مواقع مرتكبيها أو انتماءاتهم.
فلا يستقيم أن يُرفع شعار سيادة القانون لتجريم المواطنين الذين يطالبون بإنهاء الانقلاب أو وقف الحرب، بينما يُترك من قوضوا النظام الدستوري، ومن شرعنوا تقويضه أو أسهموا فيه بأفعال مجرّمة، دون مساءلة.
ولا يستقيم أن يكون القانون سيفًا مسلطًا على المعارضين، بينما تتحول المناصب العسكرية والسياسية والقضائية إلى دروع تحمي أصحابها من المحاسبة.
إن حماية النظام الدستوري ليست واجب العسكريين وحدهم، بل هي مسؤولية مؤسسات الدولة جميعها، وفي مقدمتها النيابة العامة والسلطةالقضائية والمحكمة الدستورية. وكل من يثبت أنه قد إستخدم موقعه لتقويض هذا النظام بدلًا من حمايته، يجب أن يخضع للمساءلة والمحاكمة وفقًا للقانون.
#العدالةالإنتقالية#



