تستحق تجربة الفنانة «مروة الدولية» وقفة فنية مختلفة، بعيداً عن التصنيفات والأحكام المسبقة التي قد تفرضها البدايات، أو تحاصر الفنان في قالب يصعب الخروج منه، «فمروة الدولية» التي ارتبطت في أذهان قطاعات واسعة من الجمهور بمصطلح «القونة»، بدأت تقدم وجهاً آخر من موهبتها وتكشف عن إمكانيات صوتية وأدائية تجعل من الضروري إعادة التمعن والنظر في موقعها في خارطة الغناء السوداني.
قطعاً الفنان المتطلع لا يبقى أسير بداياته، وهذا لا يعني التنكر لهذه البدايات، أو التقليل من دور الجمهور الذي صنع وساهم في عملية الانتشار ، ويقيني أن الموهبة الحقيقية قادرة على التطور متى وجدت الرؤية الفنية الواعية، و«مروة الدولية» بدأت تتحسس طريقاً جديداً تمضي فيه بتجربتها الفنية مرتكزة على أدواتها الإبداعية المتمثلة في صوتها القوي بمساحاته الواسعة ما يساعدها على التنقل بين المقاطع الهادئة، والجمل اللحنية المرتفعة دون أن تفقد حضورها ورونقها، واللافت في صوت الدولية «بَحّة مميزة» تمنحه لوناً تعبيرياً لافتاً، ومع اندماج هذه العناصر الجمالية بإحساس مرهف، وذائقة سمعية، وثقافة موسيقية، تصبح المغنية قادرة على تقديم الأغنية بروحها، لا أن تكتفي فقط بترديد كلماتها وألحانها.
والمتتبع لمسيرة الفنانة «مروة الدولية»، يلحظ في الأونة الأخيرة تطوراً كبيراً في تجربتها، واهتماماً متعاظماً بأداء أغنيات خاصة ذات مضامين مسؤولة، إلى جانب نجاحها اللافت في تقديم أعمال كبار الفنانين، من الرواد والمُحدَثين، فبرعت وأبدعت فيها، وعلى سبيل المثال لا الحصر نرى «مروة الدولية» متألقة في تأدية أغنيات مثل «قطر الندى» للراحل محمد وردي، أو«مالو لو صافيتنا إنت» للراحل خوجلي عثمان، أو«صبر السنين» للراحل مجذوب أونسة، أو « هدَّي بي ياشوق» للراحل صلاح بن البادية، أو«زيدني من دلك شوية» للراحل سيد خليفة، أو«بقيت تمر بينا» للفنان النور الجيلاني، فنلاحظ في جميع هذه الأغنيات التي تغنت بها أصوات مختلفة من الرواد، تجلت براعة الأستاذة « مروة الدولية» في تأديتها برونق خاص من خلال تعاملها الذكي والواعي مع كل أغنية، واستدعاء إحساسها ومحاولة إعادة تقديمها بصوت وشجن يحمل ملامحها الخاصة.
ولم تتوقف «مروة الدولية» عند تجارب الرواد، بل تحدت نفسها وطرقت باب التجارب الحديثة فتغنت للراحل محمود عبد العزيز برائعته « لهيب الشوق»، كما صدحت بأغنية « القدر فرقنا» للفنان عصام محمد نور، وغيرها من الأغنيات التي اختارتها بذكاء ودراية، لقد نجحت الأستاذة مروة في لفت الانتباه من تقديم هذه الأغنيات المسموعة والراسخة في ذاكرة المستمعين بشكل جديد وإحساس مختلف الأمر الذي يؤكد امتلاك هذه الشابة أدوات تستحق الرعاية والاهتمام من أجل التطوير ومنح تجربتها بعداً أكبر من سقف الانتشار الجماهيري.
ولعل اللافت في تجربة الفنانة «مروة الدولية» اهتمامها بتوثيق أغنياتها وحفلاتها ونشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهذه خطوة موفقة تعكس مواكبتها لواقع أصبحت فيه المنصات الرقمية نافذة رئيسة لاكتشاف الفنانين ومتابعة أعمالهم، بعيداً عن الوسائط التقليدية، فالتوثيق المنتظم يحفظ التجربة من الضياع، ويتيح للجمهور متابعة تطورها، كما يمنح الفنانة فرصة للوصول إلى السودانيين داخل البلاد وخارجها، وبناء قاعدة جماهيرية أوسع، والأهم أن نشر الأغنيات والحفلات يتيح للمستمع مقارنة الأعمال وملاحظة تطور الأداء، ويمنح الشعراء والملحنين والمنتجين فرصة لاكتشاف إمكانات الصوت، ولكن الرهان الحقيقي ليس في كثرة المقاطع أو حجم المشاهدات وحدهما، بل في جودة المحتوى، وحسن اختيار الأعمال، والاستمرارية، وتحويل التفاعل الرقمي إلى تقدير فني وجمهور يتابع التجربة ويترقب جديدها.
شكراً الأستاذة مروة على هذا التميز في أداء أغنيات الآخرين امتاعاً وإشباعاً، ومع ذلك فإننا نهمس في أذنك بأن يكون هذا التميُّز بدايةً لبناء شخصية فنية مستقلة، قادرة على تقديم أغنياتها الخاصة بذات الألق والجمال والرونق الذي ظهر في تأدية أغنيات الآخرين من الرواد والمُحدَثين، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال اختيارات واعية للكلمات والألحان، باعتبار أن الصوت المميز يحتاج إلى نصوص توازي جماله وتحترم ذائقة الجمهور وتلامس وجدانه، لأن الأغنية الجيدة هي التي تجمع بين جمال الصوت وقوة الكلمة وحسن اللحن، وروعة التوزيع الموسيقي الذي يمنح الصوت المساحة المناسبة للتعبير، ولعلها دعوة نرسلها للشعراء والملحنين والموسيقيين، بأن يلتفتوا إلى هذه التجربة، ويتعاملوا معها بوصفها فرصة لتقديم أعمال خاصة تحمل قيمة فنية ومضامين قوية، وتفتح أمامها آفاقاً تتجاوز الانتشار المرتبط بالحفلات إلى حضور أكثر رسوخاً في المشهد الغنائي السوداني.



