
عبد الكريم البليخ
الجهل قوة خفية تتسلل إلى أعماق النفس، فتربك يقينها وتُربّي فيها خوفاً مزمناً من الانكشاف. ليس الجهل فراغاً تعليمياً، ولا عجزاً عن فكّ الحروف، بل هو حالة وجودية معقدة، يتواطأ فيها الفرد مع محيطه ليؤجل أسئلته، ويؤجل معها مصيره. إنه ذلك السكون المريب الذي يُغلف العقول حين تكتفي بما قيل، وتخشى أن ترى ما لم يُقل.
في أكثر تجلياته قسوة، يتحول الجهل إلى وعي زائف، يلبس أقنعة المعرفة، ويُجيد تبرير ذاته. عندها لا يعود الخطر في الجهل ذاته، بل في قدرته على التشبه بالحقيقة، فيغدو المجتمع شريكاً في إنتاجه، وحارساً له. نصفق للأخطاء لأنها مريحة، ونتجنب الأسئلة لأنها مقلقة، فنؤسس، دون أن ندري، لثقافة تُقصي الشك، وتُعادي القلق الخلّاق الذي به ينمو الإنسان.
نحن لا نفتقر إلى المعلومات، بل إلى الشجاعة التي تُحرّرنا منها. نغرق في سيلٍ من المعارف السطحية، لكننا نعجز عن الغوص إلى أعماقنا، حيث تُطرح الأسئلة الحقيقية: من نحن؟ ولماذا نعيش كما نعيش؟ هناك، في تلك العتمة الداخلية، يبدأ الصراع بين وعيٍ يسعى إلى النور، وجهلٍ يلوذ بالطمأنينة الزائفة.
إن التحرر من هذا القيد لا يكون بتكديس المعارف، بل بإعادة بناء علاقتنا بالحقيقة. أن نقبل الشك لا كتهديد، بل كبوابة للنضج. أن نتصالح مع قلقنا، ونفهمه كعلامة حياة لا كعارٍ ينبغي إخفاؤه. فالمعرفة ليست امتلاك أجوبة، بل الجرأة على طرح الأسئلة.
فهل نستعيد إنسانيتنا من قبضة الجهل، لا سيما أن الجهل، في جوهره، لا يُعادي المعرفة فحسب… بل يُطفئ في الإنسان قدرته على أن يكون إنساناً.



