الأعمدة

قم للمعلم ووفه التبجيلا.

( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي
حينما أسوق الأمثلة هنا في المقارنة بين أوضاع المعلمين في مختلف مستويات السلالم التعليمية قديمًا وحديثًا، فإنني أفعل ذلك بوصفي شاهدًا على عصرين عشتهما تلميذًا ثم طالبًا، منذ صغري في النصف الأول من ستينيات القرن الماضي، إلى أن ختمت المرحلة الثانوية في بدايات النصف الثاني من سبعينيات القرن نفسه، ثم غادرت لمواصلة دراستي أثناء خدمتي خارج البلاد.
ومن ثم عاصرت تطور حركة التعليم بصورة أخرى، وأنا أتابع دراسة بعض بناتي وأبنائي جانبًا من مراحلهم الدراسية خارج البلاد، فيما درس بعضهم الآخر في الداخل بعد عودتهم النهائية إلى سماء الوطن.
ومع حتمية تجاوز المقارنة بين رعاية التعليم العام ووضع المعلم خارج الوطن، حيث أقمت عقودًا، فإن شهادتي على عصرين من التعليم في بلادنا تجعلني أجزم بأن المقاربة، إن لم تكن معدومة، فهي مستحيلة، سواء من حيث المناهج أو نتائج التحصيل، والأسوأ من ذلك كله تردي وضعية المعلم نفسه في شتى المراحل، بما فيها المرحلة الجامعية، حيث أصبح المعلم، من حيث ضعف فرص التأهيل وتدني الرواتب، الحلقة الأضعف بين فئات العاملين في سلك الخدمة المدنية.
وربما يختلف وضع المعلم الذي يعمل في التعليم الخاص، الذي بات يأخذ طابعًا تجاريًا، ويؤمه المقتدرون من أولياء الأمور، ليس بدافع القدرة المادية وحدها، وإنما بسبب فقدان الثقة في جدوى التعليم العام، الذي تعرضت مناهجه للتجريف والتحريف، بفعل تدخل السياسة في مرحلة ما، لفرض مساحيق الأدلجة على عقول النشء، لأهداف معروفة!
ولعل الشواهد على تطور كثير من الدول وسرعة نهضتها تتمثل في اهتمامها بالعلم، الذي يمثل حجر الزاوية في العملية التعليمية. وقد درجت بعض تلك الدول على تعظيم شأن المعلم المؤهل، حتى جعلت راتبه أعلى من راتب وزير التعليم في بعضها، وأعلى من راتب رئيس الوزراء في بعضها الآخر.
وتحضرني هنا طرفة قديمة تجسد هذه المقارنة المؤلمة بين ماضي التعليم ووضع المعلم نفسه وحاضرهما الماثل الآن، إذ يُحكى أن شابًا في ذلك العهد الغابر ذهب ليتقدم لخطبة عروس، فسأله والدها:
ـ وأنت، ماذا تعمل بالضبط يا ابني؟
فأجاب بأنه لا يعمل، ولكن أخاه الأكبر مدرس!
كل التضامن مع معلمي العاصمة القومية، وهم ينفذون غدًا المرحلة الثانية من إضرابهم المستحق، مطالبين بحقوقهم، ومن أجل التعليم، ومن أجل أنفسهم، ومن أجل الأجيال الحالية والقادمة من فلذات كبد الوطن النازف.
والله من وراء القصد .

زر الذهاب إلى الأعلى