الأعمدة

من الاستهانة بوسائل التواصل الاجتماعي إلى تجريم النشر الإلكتروني.. كيف تطورت استراتيجية الحركة الإسلامية وحلفائها لإجهاض ثورة ديسمبر وإسكات الوعي الوطني؟!

✍️ محمد الفاتح حضرة
🤔 هل تتذكرون ماجري في ديسمبر 2018 وكيف استهان نظام الإنقاذ وجماعة ما يسمى بالحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض بقدرة الشباب السوداني على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني لإسقاط النظام؟!
🫵وهل تتذكرون كيف انتهى الأمر بسقوط البشير، قبل ان تنكشف أن عملية إعلان عزل عمر البشير والانحياز الي ثورة ديسمبر انما كان مجرد مسرحية نفذتها اللجنة الامنية العليا لنظام الإنقاذ من أجل الالتفاف على ثورة ديسمبر، وفضح انقلاب 25 أكتوبر 2021 تفاصيل هذه الخدعة ، وصولًا إلى حرب 15 أبريل 2023 !!
إن ما يجري الآن في السودان وما قامت به حكومة العسكر الانقلابيين من تعديلات في القوانين بشأن مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي وتشديد العقوبات المرتبطة بالنشر الإلكتروني ليس، في قراءتي السياسية، حدثًا منفصلًا عن مسار الصراع على السلطة في السودان منذ ديسمبر 2018، بل يمثل حلقة جديدة في محاولات السيطرة على الوعي العام، بعدما أثبت الإعلام الإلكتروني قدرته على كشف الدعاية السياسية والعسكرية، ومقاومة محاولات إجهاض الثورة، ومساءلة أصحاب السلطة والسلاح.
ولفهم ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى البداية، وتتبع الأحداث من ثورة ديسمبر إلى انقلاب أكتوبر، ثم الاتفاق الإطاري وحرب أبريل، وصولًا إلى الإجراءات الأخيرة التي تستهدف مجال النشر الإلكتروني.
### 💢 أولًا: ديسمبر 2018.. حين استهان نظام الإنقاذ بقدرة الشباب على صناعة التغيير!
عندما اندلعت ثورة ديسمبر المجيدة، لم يكن نظام الإنقاذ يتوقع أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني إلى إحدى أهم أدوات نشر الوعي الوطني، وتعبئة الجماهير، وتنسيق الحراك الشعبي، وكسر احتكار أجهزة الدولة الرسمية للمعلومات.
كان النظام يمتلك أجهزة أمنية وعسكرية، ومنابر إعلامية رسمية، وشبكات سياسية وتنظيمية ممتدة داخل مؤسسات الدولة. ومع ذلك، لم يستطع منع الشباب السوداني من تداول الأخبار، وتوثيق الانتهاكات، ونقل صور الاحتجاجات، وحشد المواطنين حول مطالب الحرية والسلام والعدالة وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية.
لقد أسهمت هذه الوسائل، إلى جانب المقاومة الشعبية والتضحيات الميدانية، في اتساع الثورة حتى أصبحت تهدد بقاء النظام كله.
وعندما عجزت السلطة عن إيقاف الحراك الشعبي، تحركت اللجنة الأمنية العليا لنظام الإنقاذ، التي ضمت قادة المؤسسة العسكرية والأمنية، وانتهى الأمر بعزل عمر البشير في 11 أبريل 2019.
وفي تقديري، لم يكن إعلان الانحياز إلى الثورة تعبيرًا عن تسليم كامل بإرادة الشعب، وإنما كان أيضًا محاولة من قادة النظام داخل المؤسسة العسكرية والأمنية لاحتواء الثورة، والمحافظة على نفوذهم، وإدارة انتقال السلطة بطريقة تحول دون تفكيك منظومة الإنقاذ ومحاسبة المسؤولين عن جرائمها وانتهاكاتها.
🤔 وهنا يبرز السؤال: هل أسقط الشعب السوداني نظام الإنقاذ لكي يستعيد حريته ويقيم دولة مدنية ديمقراطية، أم لكي تنتقل السلطة من البشير إلى قادة عسكريين يحتفظون بمفاصل الدولة وشبكات النفوذ التي أنشأها النظام؟!
لقد كان ذلك أول اختبار كبير لوسائل التواصل الاجتماعي في معركة الوعي السوداني، لكنه لم يكن الأخير.
### 🛑 ثانيًا: انقلاب 25 أكتوبر 2021.. محاولة الالتفاف على الثورة تنكشف من جديد!
بعد سقوط البشير، دخل السودان مرحلة انتقالية كان يفترض أن تقود إلى الحكم المدني الديمقراطي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، وإنهاء هيمنة الحزب الحاكم السابق على أجهزة الدولة.
لكن الصراع على السلطة لم ينتهِ بسقوط رأس النظام.
وفي 25 أكتوبر 2021، نفّذ البرهان وحميدتي انقلابهما على الحكومة الانتقالية، وأُبعد المدنيون عن السلطة، وتراجعت البلاد عن مسار الانتقال الديمقراطي.
وسوّق الانقلابيون ما حدث باعتباره تصحيحًا لمسار الثورة، لكن شباب ديسمبر ولجان المقاومة والقوى المدنية والسياسية الرافضة للانقلاب استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني لكشف حقيقة ما جرى، وتوثيق الاحتجاجات، وفضح التناقض بين الشعارات المعلنة والواقع السياسي.
وفي هذه المرحلة، عادت الوسائل نفسها التي أسهمت في إسقاط نظام الإنقاذ لتقاوم محاولة الالتفاف على الثورة.
وفي قراءتي، كان الانقلاب فرصة لإعادة تمكين شبكات النظام السابق والحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني داخل مؤسسات الدولة، واستعادة النفوذ الذي فقدته بعد أبريل 2019.
لكن هذه المحاولة واجهت مقاومة شعبية وإعلامية متواصلة، ولم تستطع الدعاية المتعلقة بتصحيح مسار الثورة أن تنهي سؤال السودانيين عن سبب الانقلاب، ومصير الحكم المدني، ومستقبل الدولة.
🤔 كيف يمكن إقناع الشعب بأن الانقلاب العسكري يحمي الثورة، بينما ينهي الشراكة الانتقالية ويقصي المدنيين ويعيد البلاد إلى حكم العسكر؟!
وكيف يمكن إخفاء حقيقة الانقلاب عن جيل يستطيع توثيق الأحداث، ونشرها، ومقارنة الروايات الرسمية بما يجري على الأرض؟!
لقد أدركت القوى المناهضة للثورة أن السيطرة على السلطة لا تعني بالضرورة السيطرة على وعي الشعب، وأن امتلاك السلاح وأجهزة الدولة لا يكفي وحده لاحتكار الحقيقة.
### 💢 ثالثًا: الاتفاق الإطاري.. حين أصبح مستقبل النفوذ العسكري والسياسي على المحك!
مع استمرار الأزمة التي أعقبت انقلاب أكتوبر 2021، تصاعدت الضغوط من أجل إنهاء الانقلاب واستعادة المسار الانتقالي.
وفي ديسمبر 2022، وُقّع الاتفاق الإطاري بين قادة عسكريين وقوى مدنية، من بينها قوى الحرية والتغيير، ليفتح الطريق أمام عملية سياسية تستهدف تشكيل حكومة مدنية، وإنهاء الانقلاب، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري.
وكانت قضية دمج قوات الدعم السريع في الجيش، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وإبعاد العسكريين عن العمل السياسي والاقتصادي، من أبرز القضايا المطروحة في العملية السياسية.
وهنا، في تقديري، اصطدمت استحقاقات الانتقال المدني بمصالح وشبكات نفوذ تشكلت خلال سنوات حكم الإنقاذ، وبصراع داخل المعسكر الذي شارك في إسقاط الحكومة الانتقالية.
فعودة الحكم المدني لم تكن تعني مجرد تغيير رئيس الوزراء أو تشكيل حكومة جديدة، بل كانت تفتح الباب أمام إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، ومراجعة علاقات السلطة بالاقتصاد والأمن، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإنهاء احتكار العسكر للقرار السياسي.
وأرى أن تيارات نافذة داخل الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني كانت تنظر إلى هذا المسار باعتباره تهديدًا لمشروعها السياسي ونفوذها داخل الدولة، ولذلك رفضت التسوية التي يمكن أن تفضي إلى خروج العسكر من السياسة، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس مهنية موحدة.
🤔 فهل كان الصراع حول الاتفاق الإطاري مجرد خلاف على جداول دمج قوات الدعم السريع في الجيش، أم كان أيضًا صراعًا على مستقبل السلطة، ومصير شبكات النفوذ، وإمكان عودة المدنيين إلى الحكم؟!
إن فهم هذه الخلفية ضروري لفهم ما حدث بعد ذلك، ولماذا انتهت البلاد إلى الحرب بدلًا من استكمال العملية السياسية.
### 🛑 رابعًا: حرب 15 أبريل 2023.. حين توقفت العملية السياسية وبدأت كارثة السودان!
اندلعت الحرب بين الجيش والدعم السريع في 15 أبريل 2023، فتحولت الخلافات بين القوتين العسكريتين إلى كارثة وطنية لا تزال تدفع البلاد ثمنها.
وفي قراءتي لهذه الأحداث، لم تكن الحرب مجرد انفجار مفاجئ لخلاف عسكري حول دمج القوات وترتيبات القيادة، بل جاءت في سياق صراع أوسع على السلطة ومستقبل الدولة، وفي لحظة كانت فيها العملية السياسية تقترب من معالجة قضايا جوهرية تتعلق بمستقبل المؤسسة العسكرية والحكم المدني.
وأحمّل تيارات نافذة من الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، وفق تحليلي لمسار الأحداث ومواقف أطرافها، مسؤولية سياسية عن الدفع نحو إفشال الانتقال المدني، وعن دورها في تأجيج الصراع واستثمار الحرب لإعادة إنتاج نفوذها.
وأرى أن استمرار الحرب أصبح بالنسبة إلى هذه التيارات وسيلة لتعطيل استحقاقات الانتقال، وإبقاء الدولة في حالة تعبئة عسكرية، وإبعاد الأنظار عن قضايا الإصلاح والمساءلة وإعادة بناء المؤسسات.
لكن ذلك لا يعفي قيادة الجيش أو قيادة الدعم السريع من مسؤولية قراراتهما وأفعالهما، ولا يحوّل الاتهام السياسي إلى بديل عن التحقيق في المسؤوليات الفردية والمؤسسية.
إن أخطر ما في هذه الحرب أنها أوقفت المسار السياسي الذي كان مطروحًا لإنهاء الانقلاب وتوحيد المؤسسة العسكرية، وفتحت المجال أمام صراع مسلح دمّر حياة السودانيين، بينما ظل الشعب هو الخاسر الأكبر.
وهنا لا بد من السؤال:
🤔 من المستفيد سياسيًا من استمرار الحرب، وتعطيل الانتقال المدني، وتأجيل إصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية، وإبقاء البلاد رهينة للسلاح؟!
ومن الذي يستفيد من تحويل كل نقاش عن أسباب الحرب ومسؤولية إشعالها إلى معركة تخوين واتهامات بالعمالة والانحياز إلى أحد الطرفين؟!
هذه الأسئلة هي التي جعلت الإعلام الإلكتروني ساحة أساسية للصراع على تفسير الحرب، وكشف دوافعها، ومساءلة من يتحملون مسؤولية استمرارها.
### 💢 خامسًا: حين عجزت الدعاية عن احتواء الوعي.. أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي موضع استهداف!!
طوال سنوات الحرب، لم تتوقف محاولات تسويقها باعتبارها حرب الكرامة، أو حرب الدفاع عن الوطن والدين، أو حربًا ضد غزو أجنبي يستهدف السودان وعقيدته.
لكن وسائل التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني أتاحت للسودانيين مناقشة هذه الروايات، ومقارنة الشعارات بالوقائع، وتوثيق الانتهاكات، ونشر صور الدمار والنزوح، وطرح الأسئلة عن المسؤولين عن إشعال الحرب واستمرارها.
كما أتاحت لشباب الثورة والقوى المدنية والسياسية، ومن بينها قوى الحرية والتغيير و«صمود»، الدعوة إلى وقف الحرب واستعادة الحكم المدني، ومقاومة محاولات إعادة البلاد إلى نظام الحكم الذي ثار عليه السودانيون في ديسمبر 2018.
وهنا تكمن النقطة المركزية في هذا المقال.
في تقديري، لم يعد الأمر يتعلق بمجرد خلاف حول رواية إعلامية، بل أصبح صراعًا على قدرة السلطة على تشكيل وعي المواطنين، وتحديد ما يجوز لهم تداوله ومناقشته، وما يمكن أن يتعرضوا للملاحقة بسببه.
فكلما نشر المواطنون روايات تخالف الخطاب الرسمي، أو طالبوا بوقف الحرب، أو انتقدوا قادة الجيش والدعم السريع، أو ناقشوا دور الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني في مسار الأحداث، اتسعت مساحة الصراع حول من يملك حق تفسير ما يجري في السودان.
🤔 إذا كانت الرواية الرسمية قادرة على إقناع الشعب بحقيقة الحرب وأهدافها، فلماذا تصبح مراقبة النشر الإلكتروني وملاحقة محتواه قضية ملحّة؟!
وإذا كانت الحرب فعلًا من أجل كرامة السودانيين، فلماذا يُخشى من الأسئلة التي يطرحونها عن ملايين النازحين واللاجئين، وعن الدمار الذي أصاب الدولة، وعن الثمن الذي يدفعه المواطنون يومًا بعد يوم؟!
إن وسائل التواصل الاجتماعي لم تمنح السودانيين حق الكلام فحسب، بل منحتهم قدرة أوسع على مساءلة السلطة، وكشف التناقضات، ومقاومة احتكار المعلومات.
وهذا هو الدور الذي أرى أن السلطة الحالية وشركاءها يسعون إلى منعه ‼️.
### 🛑 سادسًا: الملاحقات الجنائية وأحكام الإعدام.. هل تكشف السوابق ما ينتظر النشر الإلكتروني؟!
قبل أن نتحدث عن تعديل المادة 51 أ، علينا أن نتذكر ما جرى خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية.
فقد طالت إجراءات جنائية صحفيين وإعلاميين ومدونين وناشطين سياسيين، من بينهم من يُحسبون على قوى الحرية والتغيير، والقحاطة، و«صمود»، ومن عارضوا انقلاب 25 أكتوبر 2021 ورفضوا استمرار الحرب، واستخدمت في قضايا مرتبطة بالحرب والاتهامات السياسية نصوص المواد 50 و51 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991.
ولم تتوقف المسألة عند فتح البلاغات وتوجيه الاتهامات؛ فقد صدرت بالفعل أحكام بالإعدام على بعض المتهمين في قضايا استندت إلى هذه المواد، إلى جانب أحكام أخرى بالسجن المؤبد.
وهنا ينبغي أن نتوقف عند خطورة الأمر.
فالمادة 50 تتعلق بتقويض النظام الدستوري، والمادة 51 تتعلق بإثارة الحرب ضد الدولة، وهما من الجرائم الخطيرة التي تصل عقوباتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد.
وفي ظل الحرب والاستقطاب السياسي الحاد، وُجّهت هذه الاتهامات إلى مدنيين اتُّهموا بالتعاون مع الدعم السريع أو تأييده، وشملت القضايا أشخاصًا عارضوا الحرب أو اتُّهموا بمواقف سياسية مرتبطة بها.
إن صدور أحكام بالإعدام في قضايا من هذا النوع يجعل المخاوف من توسيع دائرة التجريم أكثر جدية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالصحفيين والمدونين الذين ينشرون آراءهم أو يعلقون على الأحداث السياسية والعسكرية.
فإذا كانت المادتان 50 و51 قد استُخدمتا بالفعل في ملاحقة مدنيين وصحفيين وناشطين، وصدرت بموجبهما أحكام بالغة الخطورة، فما الذي يمكن أن يحدث عندما يُضاف النشر عبر الوسائط الإلكترونية والإعلامية صراحةً إلى النص المتعلق بإثارة الحرب ضد الدولة؟!
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل صحفي وإعلامي ومدون وناشط سياسي، بل كل مواطن سوداني يستخدم هاتفه لنشر رأيه أو التعليق على الأحداث.
وفي تقديري، فإن التعديل الأخير لا يمكن قراءته بمعزل عن هذه السوابق؛ إذ يأتي في بيئة سبق أن شهدت ملاحقات جنائية وأحكامًا قاسية في قضايا مرتبطة بالحرب والمواقف السياسية.
وإذا كانت هذه الإجراءات قد طالت أشخاصًا بعينهم خلال السنوات الماضية، فإن توسيع النص ليشمل النشر الإلكتروني والإعلامي يثير مخاوف من انتقال دائرة الملاحقة إلى نطاق أوسع من الصحفيين والمدونين والمواطنين الذين ينشرون آراءهم أو يعيدون تداول الأخبار والتعليقات.
🤔 أليس من حق السودانيين أن يسألوا: هل نحن أمام تشديد لمكافحة جرائم حقيقية، أم أمام توسيع لأدوات الملاحقة بما قد يهدد حرية التعبير ويخيف كل من يكتب رأيًا مخالفًا للسلطة؟!
إن خطورة هذه المسألة لا تكمن فقط في العقوبة المنصوص عليها، وإنما أيضًا في الأثر الذي قد تتركه على المجتمع: صحفي يتردد في نشر خبر، ومدون يمتنع عن مناقشة الحرب، وناشط يخشى الدعوة إلى وقف القتال، ومواطن يفضّل الصمت خوفًا من أن يُفسَّر منشوره تفسيرًا جنائيًا.
وهكذا قد يتحول الخوف من الملاحقة إلى وسيلة لإسكات الأصوات، حتى دون الحاجة إلى اتخاذ إجراءات ضد كل من يعارض السلطة.
### 💢 سابعًا: تعديل المادة 51 أ.. من ملاحقة بعض المعارضين إلى إخافة جميع أصحاب الرأي!
في أكتوبر 2026، جاء تعديل المادة 51 أ من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، بإدراج النشر عبر الوسائط الإلكترونية والإعلامية ضمن النص المتعلق بإثارة الحرب ضد الدولة، بالتزامن مع إجراءات حكومية تتعلق بمراقبة المحتوى الإلكتروني ومكافحة جرائم المعلوماتية.
وفي تقديري، فإن خطورة هذا التطور تتجاوز الأشخاص الذين قد تُفتح ضدهم بلاغات مباشرة؛ فهو يبعث برسالة تخويف إلى كل من يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني لمناقشة الحرب أو انتقاد السلطة أو الدعوة إلى استعادة الحكم المدني.
فإذا كان صحفيون ومدونون وناشطون قد واجهوا اتهامات بموجب المادتين 50 و51، وإذا كانت أحكام بالإعدام قد صدرت بالفعل في بعض القضايا المرتبطة بهذه المواد، فإن إضافة النشر الإلكتروني والإعلامي إلى نص المادة 51 تفتح بابًا لمخاوف أوسع بشأن حرية النشر والتعبير السياسي والإعلامي.
وهنا أرى أن المسألة قد انتقلت من ملاحقة أفراد بسبب مواقف أو اتهامات مرتبطة بالحرب، إلى إخافة الناشطين في المجال الإلكتروني كله، بحيث يصبح كل صحفي أو مدون أو ناشط مضطرًا إلى التفكير مليون مرة في العواقب الجنائية المحتملة قبل نشر رأيه او تحليله السياسي .
ومن شأن هذا المناخ أن يضيّق المجال العام، ويضعف قدرة المواطنين على تبادل المعلومات وتوثيق الانتهاكات ومناقشة المسؤولية السياسية والعسكرية عن الحرب.
🤔 كيف يستطيع الإعلامي أن يؤدي دوره في كشف الحقائق إذا كان يخشى أن يتحول ما ينشره إلى اتهام بإثارة الحرب ضد الدولة؟!
وكيف يستطيع المدون أن يناقش أسباب الحرب أو ينتقد أداء القيادة العسكرية إذا كان يخشى أن يُفسَّر موقفه باعتباره تأييدًا لطرف من أطرافها؟!
وكيف يمكن لشباب الثورة أن يواصلوا الدعوة إلى الحكم المدني الديمقراطي إذا أصبح النقد السياسي نفسه مصدرًا للخوف من الملاحقة؟!
إن جريمة إثارة الحرب ضد الدولة ليست مرادفًا لانتقاد الحكومة، كما أن تقويض النظام الدستوري ليس مرادفًا لمعارضة السلطة العسكرية. ولا يجوز أن يصبح الانتماء السياسي أو الدعوة السلمية إلى وقف الحرب أو استعادة الحكم المدني دليلًا قائمًا بذاته على ارتكاب جريمة.
وإذا كانت هناك أفعال تستوجب المساءلة الجنائية، فيجب إثباتها وفق القانون والأدلة والإجراءات القضائية العادلة، لا بناءً على مجرد المواقف السياسية أو طبيعة الآراء المنشورة.
### 🫵 أخيرًا.. من إسقاط نظام الإنقاذ إلى الحرب، ثم مراقبة النشر الإلكتروني.. ماذا تقول لنا هذه الرحلة التاريخية؟!
دعونا نضع الأحداث أمامنا في تسلسلها الزمني:
* ديسمبر 2018: انتفاضة شعبية أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الوعي بشأنها، وتعبئة الجماهير، وتوثيق أحداثها، حتى سقط نظام البشير.
* أبريل 2019: عزل البشير، مع استمرار الصراع على السلطة ومفاصل الدولة ومستقبل الثورة.
* أكتوبر 2021: انقلاب عسكري أطاح بالحكومة الانتقالية، فعادت وسائل التواصل الاجتماعي إلى فضح الانقلاب ودعم مقاومته.
* ديسمبر 2022: توقيع الاتفاق الإطاري الذي فتح مسارًا سياسيًا لاستعادة الحكم المدني وإصلاح القطاع الأمني والعسكري.
* أبريل 2023: اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع، وتعطل العملية السياسية، ودخول السودان في كارثة وطنية.
* السنوات الثلاث والنصف الماضية: ملاحقات جنائية طالت مدنيين وصحفيين وإعلاميين ومدونين وناشطين، واستخدام المادتين 50 و51 في قضايا مرتبطة بالحرب والاتهامات السياسية، مع صدور أحكام بالإعدام على بعض المتهمين.
* أكتوبر 2026: تشكيل آلية لمكافحة جرائم المعلوماتية، بالتزامن مع تعديل المادة 51 أ بما يشمل النشر عبر الوسائط الإلكترونية والإعلامية.
🤔 هل يمكن فهم هذه المحطات كلٌّ بمعزل عن الأخرى، أم أن بينها خيطًا سياسيًا يستحق أن نتوقف عنده؟!
في قراءتي، يكشف هذا التسلسل عن صراع ممتد بين مشروع ثورة ديسمبر الذي طالب بدولة مدنية ديمقراطية، وبين قوى تسعى إلى المحافظة على نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وتختلف أدواتها بحسب المرحلة التي تواجهها.
وعندما لم تنجح محاولات احتواء الثورة في إنهاء مطالبها، واجهت القوى المناهضة للانقلاب مقاومة شعبية وإعلامية متواصلة.
وعندما اندلعت الحرب، لم يتوقف السودانيون عن مناقشة أسبابها ومساءلة المسؤولين عنها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وعندما استخدمت نصوص جنائية خطيرة في ملاحقة مدنيين وصحفيين وناشطين، وصدرت أحكام بالإعدام في بعض القضايا، أصبحت المخاوف من توسيع نطاق التجريم أكثر واقعية.
واليوم، مع إجراءات مراقبة المحتوى وتعديل النصوص الجنائية المتعلقة بالنشر، تبرز مخاوف من أن تنتقل المواجهة إلى محاولة تضييق المجال الذي يمكّن المواطنين من كشف الحقائق ومناقشة الروايات الرسمية.
إن المعركة هنا ليست بين الدولة ووسائل التواصل الاجتماعي، بل بين حق المجتمع في معرفة ما يجري ومساءلة أصحاب السلطة والسلاح، وبين أي محاولة لاحتكار المعلومات وتقييد النقاش العام.
فالدولة لا تُحمى بإسكات المواطنين، والوطن لا يُصان بمنع الأسئلة، وكرامة الشعب لا تتحقق بتخويف من يطالبون بوقف الحرب واستعادة الحكم المدني.
🫵الحقيقة ‼️ 💢
السودان لديه منذ سنوات طويلة قانون خاص بالجرائم الإلكترونية، إلى جانب قانون خاص بالصحافة والنشر والمطبوعات، ولكلٍّ منهما نيابة متخصصة ومحاكم مختصة..
🤔 فلماذا إذن جاء تعديل المادة 51 أ من القانون الجنائي لسنة 1991؟!
في تقديري، أن الحكومة العسكرية التي وصلت إلى السلطة عبر انقلاب 25 أكتوبر 2021 تسعى بهذا التعديل إلى تشديد القيود على حرية النشر والتعبير، وفتح الباب أمام إنزال عقوبة الإعدام بحق من يُعارضون الانقلاب العسكري، أو يرفضون إستمرار الحرب، أو ينادون باستعادة مسار التحول المدني والانتقال الديمقراطي، وعودة العسكر إلى الثكنات.
🛑 🤔هل تسعى الحركة الإسلامية وحلفاؤها من العسكر الانقلابيين إلى محاربة الجرائم الإلكترونية فعلًا، أم إلى إسكات وسائل التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني التي فضحت محاولاتهم للالتفاف على ثورة ديسمبر، وكشفت حقيقة انقلاب 25 أكتوبر 2021، وأسهمت في فضح دعايات الحرب وأهداف استمرارها؟!
هل يريدون حماية الدولة السودانية حقاً ، أم أنهم يريدون حماية سلطتهم ونفوذهم من وعي الشعب السوداني الذي لم يستطيعوا احتوائه بالدعاية السياسية والعسكرية ، فأرادوا إخافته بالملاحقات الجنائية والعقوبات المشددة🧐؟! 💢‼️
🫵
ما هو رأيك أنت 🤔

زر الذهاب إلى الأعلى