الأعمدة

حرائق المسيّرات.. هل نهاية الحرب أم بدايتها؟

(موطئ قلم)
محمد عبد الله برقاوي..
لعلني هنا لست شامتا، ولكني في حالة من الرثاء والإشفاق، وأنا أشاهد وأستمع إلى شهادات عدد من عتاة المدافعين عن الحرب، وهم يجوبون بسياراتهم طرقات المدن، لا ليبرروا، كما عوّدونا دائما، واقع الحال المزري الذي وصل بالوطن إلى قاع سحيق من الانهيار، في ثوب من الظلام لفّ كل أرجاء البلاد خلف دخان المآسي الكثيف، وإنما لاستعراض سوءات المشهد هذه المرة، في ظل انسداد أفق حركة المواطنين، التي أخلت الشوارع في مدن بأكملها من ضجيج المركبات، وجعلت وسائل المواصلات في مدن أخرى تربض حزينة، أمام عجز السواد الأعظم من أصحابها وسائقيها عن شراء الوقود، المعدوم في محطات العلن، والمخبّأ في مغارات الطمع، لتمتلئ جيوب تجار الأزمات والمنشغلين بجني فوائد الحرب، والصيادين في بحر الفرص، من وراء غلس السوق الموازي الكالح العتمة.

ومن هنا يبرز السؤال الذي تفرض إجابته نفسها في خضم التطور الدراماتيكي لتداعيات هذه الحرب اللعينة، وهو السؤال الذي طالما طرحناه على دعاة استمرارها، ممن يدّعون البحث عن كرامة الوطن تحت رماده المتساقط صباح مساء على رؤوس الناس، مع شظايا هذه المسيّرات المجرمة، التي تخطف ببريق لهبها الحارق ما تبقّى من بصيص الحياة، وتترك فرضية عدم التبصّر في مآلات الحرب معلّقة في حيرة النفوس، التي أعياها ضنك المعيشة وأضناها الإحباط، في ظل تقاعس أطراف النزاع وتجاهلهم لكل تلك المآسي المتكالبة على هذا الوطن الذبيح بسكاكين أبنائه، والمكتوف الأيدي بحبال معاونيهم من هذا المعسكر الإقليمي أو ذاك.

وفيما تتسع دائرة النار، يمضي قائد الجيش ورئيس سلطة الأمر الواقع بعيدا عن حرارتها، ربما بحثا عن قبلة حياة لأحلامه في البقاء حاكما، من خلال تقديم تنازلات تمسّ سواحل الوطن ومياهه لروسيا، وكأنما يطلب ممن لا يملك الشيء أن يمنحه إياه، علّه يساعده في اجتياز أزمته الخاصة، التي يبدو أنه لا يأبه كثيرا حين يضعها فوق أولوية خلاص البلاد ونجاة العباد!

وفي المقابل، يتوعّد قائد الدعم السريع هو الآخر، وبالصوت العالي، أولئك الذين يراهنون على قرب نهاية الحرب، معلنا، من داخل دولته المزعومة، أن اللعب بالنار قد بدأ لتوّه، في خطاب لا يشي بقرب انطفاء الحرائق، بقدر ما ينذر باتساع رقعتها.

إنها نيران تتنزل من علياء المسافات، محمولة على أجنحة مسيّرات الحقد، لتفرّغ شحنات الغبن في مقدرات الحياة، انتقاما من الشعب قبل أن تنال من الغريم المعروف في ميادين القتال، أو ممن يقبعون في دواوين الاحتماء من شظايا ذلك السجال اللاهب!
وهكذا، يصبح المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر في حرب تتناسل مآسيها، بينما يتشبث قادتها بحساباتهم الخاصة، ويظل الوطن يدفع من أمنه واستقراره وموارده وأرواح أبنائه فاتورة صراع لا يبدو أن أطرافه قد استوعبوا بعد حجم الكارثة التي أوقعوا البلاد فيها.
فهل تكون حرائق المسيّرات إيذانا بنهاية هذه الحرب، أم أنها مجرد بداية لمرحلة أشدّ قسوة، تتسع فيها دائرة الخراب، ويزداد فيها الوطن ابتعادا عن لحظة الخلاص؟
والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى